أحقّيّة وحقيقة وجود هذا الوطن

خاص بوابة بيروت

‏الوفد اللبناني بات في واشنطن، وأول مطالبه تثبيت وقف إطلاق النار. حكومة تفاوض باسم الدولة، وهي لا تملك قرار الحرب والسلم. ومن يزجّ هذه الدولة في الحرب هو منظمة “حزب الله” التي حظرت هذه الحكومة عملها العسكري والأمني، ولم تستطع حتى الساعة أن تنفّذ هذا القرار. فهل ستحمل جولة المفاوضات الجديدة أملًا بتثبيت وقف إطلاق النار تحت النار؟

‏ممّا لا شكّ فيه أنّ فاقد الشيء لا يستطيع أن يعطيه، والإشكالية التي يطرحها أي عاقل ليست في قدرة الحكومة على التفاوض، بل في قدرتها على تقديم ما وجب تقديمه حتى تسير هذه المفاوضات قُدُمًا. فالإسرائيليون يطلبون سلاح منظمة “حزب الله” أولًا، ومن ثم يوقف جيشهم نيرانه.

وهو يعلم تمامًا أن الحكومة اللبنانية عاجزة عن نزع سلاح “حزب الله”، لذلك هو عازم على تنفيذ هذه المسألة بقوته العسكرية. من هنا نفهم لماذا يستمر الإسرائيلي في التوغّل برًّا وهو بات على مشارف مدينة النبطية.

‏في حين أن بعضهم طرح فرضية أن استهداف النبطية وصور هو رسالة لدولة الرئيس نبيه بري لحمله على فكّ مساره مع منظمة “حزب الله”، ولكن على ما يبدو حتى الساعة، إضافة إلى العقوبات الأميركية التي طالت مقرّبين من دولته، فهو ثابت في موقفه. وبربط مصيره مع مصير منظمة “حزب الله”، يكون قد بات أسير طاولة المفاوضات الأميركية الإيرانية هو أيضًا، التي لا تزال حتى الساعة تخضع للعبة الكرسي الهزّاز.

‏فضلًا على أن التسريبات الدبلوماسية، إن دلّت على شيء، فهي تدل على عدم جدية هذه المفاوضات، أو حتى عدم وضوح الرؤية الدبلوماسية لدى الفريقين. لكن ما لا يمكن تجاهله أنّ الإيراني قد نجح في عملية شراء الوقت مع الأميركي، وهذا ما يبرع فيه عمليًّا في لعبة التفاوض. بينما تردّد الرئيس الأميركي في الحسم يكاد يهزّ صورته داخليًّا ودوليًّا. فهل ستدفع هذه المسألة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اتخاذ قرار توجيه ضربة عسكرية؟ أم أنه سيستمر في المماطلة تمهيدًا لإرهاق النظام الإيراني من الداخل حتى إسقاطه؟

‏أمام هذه الوقائع، يبدو أن الوفد اللبناني سيعود خالي الوفاض من واشنطن. وهذا مؤشر سلبي جدًّا، إذ سيعطي الإسرائيلي المزيد من الوقت ليحقق المزيد من الاستهدافات، حتى لو كانت في العاصمة بيروت أو في ضواحيها، تمامًا كالعملية التي نفذها أمس في منطقة الشويفات، والتي تحمل رسالة واضحة مفادها ألّا خطوط حمراء أمام أي هدف يستطيع الوصول إليه.

ولكن ما لا نستطيع أن نؤكده هو استمرار هذا الحظر الذي يمارسه الرئيس الأميركي على تحويل هذه المنطقة بالذات إلى نموذج غزة رقم اثنين. فإلى متى سيستمر الحظر الأميركي؟ وهل سيسقط بعد هزالة هذه الجلسة التفاوضية المتوقعة؟

‏ينتهي هذا الأسبوع تحت النار، ليبدأ الأسبوع المقبل تمهيدًا للجولة التالية من المفاوضات أيضًا تحت النار. وهذا ما يترك الشعب اللبناني كلّه في حالة انتظارٍ قاتلة، كالمحكوم بحكم إعدام والمنتظر لحظة تنفيذ هذا الحكم. وهذا الانتظار بحدّ ذاته قاتل سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، إذا بدأت الإشكاليات تقع بين النازحين أنفسهم في المخيمات، على غرار ما شهده مخيم البيال أمس.

‏في الختام، ماذا قد يتوقع المواطن اللبناني من حكومة عاجزة عن فرض قراراتها الشرعية؟ وهل من الممكن أن يتوقع من منظمة تسير بالبلد إلى الانتحار الوطني، مفتخرةً بالاستشهاد، أن تتنازل عن سلاحها لتنقذ ما تبقى من الوطن؟

‏يبقى أن الأهم فيما يحصل اليوم هو مراجعة ذاكرة الماضي أمام ما بات يُطرح في الأروقة الصامتة عن ضرورة مراجعة العقد الاجتماعي بين المكوّنات الحضارية في لبنان. فهل يعي “حزب الله” درجة الكفر به التي أوصل بيئته إليها نتيجة تكفيره شركاءه في الوطن؟

هذا من دون الحديث، طبعًا، عمّا زجّ به هذا الوطن. حتى السؤال الوطني الوجودي يُطرح حول حقيقية وأحقّيّة وجود هذا الوطن بلا “حزب الله” وبيئته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك