
مدير التحرير
على حافّة الفرصة الأخيرة
خاص بوابة بيروت
يقف لبنان اليوم على مفترق طرق أساسي بين مسار الدولة ومسار الساحة. مساران متناقضان يحكمان هذه المرحلة: مسار الدولة التي تحاول استعادة قرارها السيادي الحرّ؛ ومسار الساحة المفتوحة التي تُبقي لبنان أسيرًا، لا بل رهينةً، في سجون الآخرين وحروبهم.
وقف إطلاق نار تحت وطأة الخروقات
نعيش وقف إطلاق نار مشروطًا من الأطراف كافّة. لكنّ الخروقات هي سيّدة الميدان. فعلى حافّة الانهيار الإقليمي، تدخّل الرئيس الأميركي ليكبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلي في ردّه على إيران، التي ضربت إسرائيل بدورها بعد استهدافها ضاحية بيروت الجنوبيّة. فعلى ما يبدو، كلّما اقترب الشرق الأوسط من الدخول في تسوية شاملة، يتمّ خرق وقف إطلاق النار. ولعلّ هذا ما يطرح إشكاليّة مستجدّة حول مَن يملك قرار الحرب والسّلم، لا بل الأبعد من ذلك: مَن يتحمّل كلفة استمرار لبنان ساحةً لحرب إيران؟
الدولة تفاوض باسم لبنان
فيما قالها بالفم الملآن فخامة الرئيس: هذا لبنان بلدنا وليس إيران. وهذا الشعب ليس شعب نعيم قاسم، بل شعب لبنان. من هذا المنطلق، حسمها فخامته: وحدها الدولة اللبنانيّة هي التي تفاوض من أجل لبنان.
أمّا إيران، فلتفاوض هي نفسها بنفسها وعن نفسها. وهذه الخيارات، إن دلّت على شيء، فهي تشير إلى أنّنا مقبلون على مرحلة جديدة في الداخل اللبناني. فهل اقتربت ساعة الحسم من قبل الشرعيّة اللبنانيّة ضدّ كلّ الأذرع غير اللبنانيّة والسلاح غير الشرعي؟
بين قوّة الشرعيّة وشرعيّة القوّة : الدّولة تفاوض
ولم ينكر فخامة الرئيس أنّ «أعضاء حزب الله لبنانيّون، ولهم الحقّ في العيش بكرامة، لكن تحت حماية الدولة. وإن لم يوافق الحزب على تسليم السلاح أو التفاوض مع الحكومة، فسيبتعد عنه الشعب». وفي موقف فخامته محاكاة واضحة لمعاناة شعب بلغت، في حدّها الأدنى، أربعين سنة من الحرب المستدامة، عوضًا من أن يحلّ محلّها السلام الاستراتيجي.
ولا يخطئنّ أحد في الشكّ بمدى قدرة الدولة على فرض شروط أو تقديم تنازلات على طاولة المفاوضات. فالدولة اليوم تفاوض بقوّة الشرعيّة، وليس بشرعيّة القوّة. ولا نملك خيارًا غير التفاوض. فلنحدّد مسارنا لنستطيع تحديد مصيرنا.
القليعات ورؤية العهد الجديد
وسط هذه المشهديّة التي يلفّها الضباب، لا يمكن التغاضي عن خطوة إعادة تفعيل مطار رينيه معوّض في القليعات. وهذه المسألة تعكس الرؤية الجديدة للعهد الجديد، التي تقوم على بناء المستقبل، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمات كما كان يحصل في العهود السابقة.
لكنّ هذه الاستراتيجيّة في العمل السياسي ـ الإنمائي تبقى رهن قدرة الدولة على تثبيت الاستقرار السياسي والأمني، لأنّ هذا الاستقرار هو الذي يؤمّن ديمومة هذه المشاريع، ويجعل الدولة دولة تنمية مستدامة. وإن سقطت هذه المظلّة، سرعان ما ستتحوّل هذه المشاريع، بغضّ النظر عن حاجتها، إلى مجرّد عناوين إعلاميّة عابرة.
احتكار القرار السيادي
وبالعودة إلى التصوّر السياسي الذي يحمله العهد الجديد في لبنان، ومن خلال الجولات التي قام بها السفير الأميركي ميشال عيسى، يبدو أنّ الموضوع بدأ يطال المرحلة القادمة في بعدها الاستراتيجي. وهذا ما يجب أن يبدأ من عمليّة احتكار القرار السيادي، الذي وحده سيؤمّن الاستمرار على الاستقرار، وسيدحض مبدأ الاستقرار على الاستمرار الذي لطالما قاد المراحل السابقة كلّها.
الجنوب بين الصمود والعودة
بغضّ النظر عن التعنّت الذي تمارسه إيران على طاولة واشنطن، وذلك عبر صواريخ منظّمة حزب الله التي باتت تنطلق من لبنان وتقع في لبنان، وبالتحديد في القرى المسيحيّة التي لا تزال صامدة. هذه القرى، بصمودها الكياني، ستحافظ على هويّة الجنوب اللبنانيّة. وهي بالذات ستشكّل مفتاحًا لعودة الجنوبيّين كلّهم إلى الجنوب.
المناطق التجريبيّة ومستقبل الاستقرار
وهذا ما برز في حديث السفير الأميركي عن تطبيق المناطق التجريبيّة، التي بإنشائها ستدحض نظريّة المناطق العازلة. وهذه المناطق ستؤمّن عودة كريمة لأبنائها إليها بعد عودة الدولة أوّلًا، وانتشار الجيش اللبناني فيها حال انسحاب الجيش الإسرائيلي منها.
وهذا ما سيخلق فرصًا جديدة للعمل والاستثمار من جديد، ولكن هذه المرّة مع فارق جوهريّ يتجلّى بديمومة الاستقرار بعد التوصّل إلى إنهاء حالة الحرب السرمديّة، والدخول في عالم تسوده قيم العدالة والسلام والحرّيّة.
الفرصة التي قد لا تتكرّر
الفرصة لا تزال سانحة. لكن حذارِ، فهي لن تطول. ولعلّ هذا ما بدا واضحًا بتلميح الرئيس الأميركي إلى إمكانيّة الاستعانة بالرئيس الشرع للقضاء على حزب الله. فبنهاية المطاف، علّمنا تاريخنا أنّ الفرص الضائعة غالبًا ما تكون كلفتها أكبر بكثير من الأزمات التي تليها. وهذا ما لمسناه بعد اغتيال فخامة الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميّل، ودولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
فهل ستتّعظ القوى السياديّة من تجارب الماضي، لتستطيع أن تستثمر في الظروف الراهنة بهدف بناء المستقبل؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير