
كاتب ومحلل سياسي
اللامشروع العربي: تفكيك بنيوي لأزمة الدولة والمؤسسة.
خاص بوابة بيروت
منذ انهيار السلطنة العثمانية وتشكّل الدول العربية الحديثة، ظل سؤال جوهري يفرض نفسه على الفكر والسياسة معًا: أين المشروع العربي؟ وكيف لمنطقة تمتلك لغة واحدة، وإرثًا حضاريًا مشتركًا، وموارد طبيعية هائلة، وموقعًا جيوسياسيًا استثنائيًا، أن تعجز عن بناء رؤية استراتيجية تجمعها؟
للوهلة الأولى، تبدو مقومات التكامل العربي مكتملة الأركان؛ فالعالم العربي يمتد على رقعة جغرافية متصلة وترابطة، ويملك واحدًا من أكبر احتياطات الطاقة والثروات الطبيعية في العالم، ويضم سوقًا استهلاكية وبشرية تتجاوز أربعمئة مليون نسمة. لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن هذه المقومات لم تتحول يومًا إلى مشروع سياسي أو اقتصادي متكامل، بل بقيت مجرد “إمكانات معطلة” وثروات غير مستثمرة في سياقها الجماعي.
معضلة النشوء: عندما اختُزلت الدولة في النظام
تكمن جذور الأزمة في طبيعة نشوء الدولة العربية الحديثة وسياقها التاريخي. معظم هذه الدول لم تتطور تدريجيًا عبر تراكم مؤسساتها الوطنية النابعة من حركية المجتمع، بل نشأت في ظروف استعمارية وإقليمية معقدة، وصيغت حدودها وهياكلها في غرف المفاوضات الدولية. هذا النشوء القسري جعل “الدولة” في كثير من الأحيان مرادفة لـ “النظام السياسي”، لا للمؤسسة الدستورية المستقلة.
ومع مرور الزمن، ترسخ نموذج مشوه اختُزلت فيه الدولة بالسلطة، واختُزلت السلطة بشخص الحاكم أو بالنخبة المهيمنة.
في ظل هذا النموذج، انحرف الولاء السياسي ليتجه نحو النظام حاميًا وموزعًا للمكاسب، بدل أن يتجه نحو الدولة كإطار جامع. وأصبحت استمرارية المؤسسات وشرعيتها مرتبطة ارتباطًا عضويًا باستمرارية الأشخاص، لا بسيادة القانون ومأسسة تداول السلطة.
وهنا تكمن العقبة الكأوُد أمام أي مشروع عربي مشترك؛ فالتكامل الإقليمي الحقيقي لا يُبنى على العلاقات الشخصية “الودية” بين القادة، بل على مؤسسات مستقرة، واتفاقات عابرة للحكومات، ورؤى استراتيجية تتجاوز حسابات البقاء الآني للأنظمة.
من مأسسة التكامل إلى تدوير الأزمات
لقد أثبتت التجارب الدولية المعاصرة، ولا سيما تجربة الاتحاد الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية، أن الدول تستطيع تجاوز صراعاتها التاريخية الدموية عندما تؤسس لتكامل وظيفي يقوم على المصالح الاقتصادية المشتركة والمؤسسات فوق الوطنية (Supranational). أما في الفضاء العربي، فقد بقيت “جامعة الدول العربية” مجرد إطار للتنسيق الدبلوماسي والتشاور السياسي، مفتقرة إلى أي صلاحيات سيادية أو آليات فوق-وطنية قادرة على صناعة القرار أو فرضه، فتحولت قممها وقراراتها إلى بيانات بروتوكولية تفتقر إلى أدوات التنفيذ والإلزام.
اقتصاديًا، تبدو المفارقة أكثر فجاجة وعمقًا. فرغم الإمكانات المالية الضخمة في جهة، والوفرة البشرية والزراعية في جهة أخرى، لا تزال التجارة البينية العربية من بين الأدنى عالميًا مقارنة بالتكتلات الإقليمية الأخرى (إذ لا تتجاوز 10-12% في أفضل حالاتها). في المقابل، تتجه الاستثمارات، والأسواق، والشراكات الاستراتيجية العربية نحو الخارج (الغرب والشرق الآسيوي) أكثر مما تتجه نحو الداخل. وهكذا، بقي الاقتصاد العربي عبارة عن جزر معزولة واقتصادات ريعية أو خدمية منفصلة، لا اقتصادًا متكاملًا يملك قوة تفاوضية جماعية في سوق معولم لا يرحم الكيانات الصغيرة.
غياب المصدات وجدلية السقوط الإقليمي
تكشف الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة التي تعصف بالمنطقة حجم هذا الخلل البنيوي. فما إن تندلع أزمة إقليمية أو يخيم خطر خارجي، حتى تتراجع فكرة التضامن العربي المشترك لتحل محلها المحاور المتنافسة والاصطفافات الضيقة. تتباين المواقف، وتتضارب الأولويات، ويغيب القرار الجماعي، مما يحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات والمشاريع الإقليمية والدولية الأخرى (الإيرانية، التركية، والإسرائيلية، والأمريكية)، التي تمتلك -على تناقضها- مشاريع واضحة لشرق أوسط تقع فيه الدول العربية موقع “المفعول به” لا “الفاعل”.
هذا العجز ليس نتاج الخلافات السياسية الآنية فحسب، بل هو انعكاس بنيوي لغياب تعريف موحد للأمن القومي العربي، وعدم وجود “مشروع” يحدد بدقة المصالح الحيوية المشتركة ويضع آليات جماعية لحمايتها.
نحو أفق جديد: تفكيك العقدة
إن أزمة العالم العربي في جوهرها ليست أزمة موارد، ولا أزمة كفاءات بشرية، ولا حتى شحًا في الفرص؛ إنها أزمة دولة ومؤسسات، وأزمة إدارة للسلطة، وغياب رؤية استراتيجية تتجاوز حدود النظام السياسي الضيق إلى مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المواطنة والقانون.
بناءً على ذلك، يمكن تلخيص شروط الانتقال من “اللامشروع” إلى “المشروع” في النقاط الآتية:
مأسسة الدولة الوطنية: بحيث تصبح الدولة مؤسسة قانونية ودستورية تعلو على الأشخاص والأنظمة، وتضمن استقرار السياسات الخارجية بمعزل عن التحولات الداخلية.
الانتقال إلى التكامل الوظيفي: البدء بالمشاريع الاقتصادية الحيوية (الأمن الغذائي، الربط المائي والكهربائي، وتوطين التكنولوجيا) كمدخل إجباري للسياسة، على غرار النموذج الأوروبي (اتحاد الفحم والصلب).
إصلاح منظومة العمل المشترك: تحويل جامعة الدول العربية أو خلق أطر موازية تمتلك آليات إلزامية وفض منازعات حقيقية، بعيدًا عن قاعدة “الإجماع” المعطلة للقرارات.
اخيرًا..
المشروع العربي لن يولد من رحم الشعارات الأيديولوجية الرنانة، ولا عبر القمم الدورية المستنسخة، ولن يتحقق باستدعاء عاطفي لأمجاد الماضي. يبدأ المشروع العربي عندما تصبح المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة سياسات ملزمة، وعندما يُنظر إلى التكامل باعتباره ضرورة وجودية للبقاء، لا ترفًا سياسيًا أو خيارًا مؤقتًا.
وحتى يتحقق ذلك الانتقال الفكري والمؤسسي، سيبقى الحديث عن “المشروع العربي” أقرب إلى أمنية تاريخية مؤجلة منه إلى واقع سياسي معيش. ليس لأن الأمة تفتقر إلى المقومات، بل لأنها لم تبنِ بعد الأسس العقلانية والمؤسسية التي تجعل من هذا المشروع حقيقة قابلة للحياة والاستمرار.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير