
صحافي لبناني
لا شراكة وطنية مكتملة من دون استعادة الدور الشيعي السيادي
خاص بوابة بيروت
عندما خرج جيش الأسد من لبنان عام 2005، بفعل تقاطع التطورات الخارجية مع الانتفاضة الشعبية الداخلية، لم يكن المشهد الشيعي محصوراً بما سعت الثنائية الحزبية الشيعية إلى تكريسه لاحقاً من احتكار للتمثيل السياسي داخل الطائفة. يومها، كانت هناك شريحة شيعية واسعة تؤمن بلبنان الدولة، ولبنان الكيان، ولبنان السيد الحر المستقل، وتتطلع إلى العيش مع شركائها تحت سقف دولة واحدة وسلاح واحد ومؤسسات واحدة، ورؤية وطنية واحدة عنوانها: لبنان أولاً.
لكن هذه الشريحة دفعت ثمناً باهظاً لما سُمّي آنذاك “تكلفة العبور” من زمن الاحتلال الأسدي إلى زمن ما بعده. فقد تعرضت لحملة منظمة من الترهيب والتهميش والإقصاء، واضطرت إلى الانكفاء أمام منظومة امتلكت عناصر قوة استثنائية جعلت منافستها شبه مستحيلة.
وكان العامل الأول في هذه الهيمنة السلاح، الذي شكّل، ولا يزال، أداة ترهيب داخل البيئة الشيعية نفسها قبل أن يكون وسيلة ضغط في مواجهة الخصوم السياسيين. أما العامل الثاني فتمثل في المال، إذ تدفقت على الحزب الإيراني في لبنان إمكانات مالية ضخمة يصعب على أي فريق سياسي لبناني، بل حتى على موازنات بعض الدول الصغيرة، مجاراتها، ما أتاح له بناء شبكات نفوذ اجتماعية وخدماتية واسعة. أما العامل الثالث فكان استخدام القوة والأمر الواقع، عبر ممارسة الضغوط والقمع المعنوي والسياسي بحق كل من يخرج عن الخط الإيراني المرسوم، وصولاً إلى تخوين المعارضين وعزلهم داخل بيئتهم.
وخلال السنوات الماضية، نجح هذا الفريق في إقناع قسم من أبناء الطائفة الشيعية بأنه يشكل الضمانة الوحيدة لمستقبلها، وأن دوره الإقليمي منحها مكانة استثنائية ووزناً داخلياً وعربياً وإقليمياً. غير أن الوقائع التي تكشفت تباعاً، وما ستكشفه الأيام المقبلة بصورة أوضح، تؤكد أن هذا الوزن كان وهماً سياسياً دفع الشيعة أثمانه الباهظة.
فالطائفة الشيعية في لبنان لم تتعرض في تاريخها الحديث لما تعرضت له خلال مرحلة هيمنة المشروع الإيراني عليها. فلم تعرف هذا الحجم من الخسائر البشرية، والدمار، والتهجير، واستنزاف الطاقات الشابة، والانقطاع عن محيطها العربي، كما عرفته خلال العقود الأخيرة. كذلك لم تتحول صورتها في الداخل اللبناني والعالم العربي إلى مادة للانقسام والرفض كما حصل نتيجة السياسات التي انتهجها الحزب الإيراني، والتي ربطت مصير الطائفة بأجندة إيرانية لا تمت إلى مصالح اللبنانيين بصلة.
واليوم، وبعد سقوط سرديات “توازن الرعب” و”القدرات الاستثنائية” و”الحماية المطلقة”، وتهاوي الكثير من الادعاءات التي رافقت المشروع الإيراني في لبنان، تبرز فرصة تاريخية أمام الشيعة اللبنانيين، كما أمام اللبنانيين جميعاً، لاستعادة ذلك الدور الشيعي السيادي الذي لم يمت يوماً، بل جرى إخافته ومحاصرته وإبعاده عن الواجهة الوطنية.
إن نهوض لبنان لا يمكن أن يتحقق من دون شراكة وطنية فعلية بين جميع مكوناته، وفي مقدمتها المكون الشيعي. وقد أظهرت التجربة التي أعقبت انتفاضة الاستقلال عام 2005 أن غياب تمثيل شيعي سيادي وازن داخل الحركة الاستقلالية ترك ثغرة وطنية استغلها المشروع الإيراني لتكريس احتكاره للبيئة الشيعية. أما اليوم، فإن تصحيح هذا الخلل بات ضرورة وطنية، لا مجرد خيار سياسي.
فثمة شخصيات وفعاليات ومجموعات شيعية وازنة ما زالت ترفع صوتها، رغم الظروف الصعبة والضغوط الكبيرة وحملات التخوين والترهيب التي تواجهها. وهؤلاء يحتاجون إلى احتضان وطني حقيقي، وإلى مد اليد إليهم من سائر المكونات اللبنانية، لأن اكتمال المشهد الوطني لا يكون إلا بمشاركة جميع أبنائه في صياغة مستقبل الدولة.
إن إعادة بناء لبنان تبدأ من استعادة الثقة بين اللبنانيين، ومن إعادة الاعتبار لفكرة الشراكة المتوازنة، حيث يشعر كل مكوّن بأنه شريك في القرار والمصير، لا تابع لمشروع إيراني ولا رهينة لسلاح خارج الدولة. وعندما يستعيد الشيعة السياديون موقعهم الطبيعي في الحياة الوطنية، وتلتقي إرادتهم مع إرادة بقية اللبنانيين الساعين إلى قيام دولة فعلية، يصبح ممكناً إطلاق ورشة النهوض الحقيقي، وبناء لبنان الجديد القائم على السيادة والحرية والشراكة الكاملة وتطوير النظام بما يعكس الواقع المجتمعي للبلاد.
هناك اليوم فرصة تاريخية لطي صفحة المشروع الإيراني في لبنان بعد هزيمته العسكرية المدوية. وتفويت هذه الفرصة، لا سمح الله، يعني إبقاء لبنان في دوامة الفوضى والحروب، فيما التقاطها يعني العبور بالبلاد إلى شاطئ الأمان، وإنهاء المشروع الإيراني بشقيه العسكري والسياسي، إذ لا يجوز أن يستمر سياسياً من تآمر على لبنان، وكلف اللبنانيين، والشيعة خصوصاً، آلاف القتلى والدمار والخراب، وفوّت عليهم عقوداً من العيش بسلام.
إنها لحظة تاريخية لا ينبغي للبنانيين أن يفوّتوها هذه المرة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير