الأساس الجديد نتيجة الانتظام المفاوضاتي

خاص بوابة بيروت

تسير عجلة المفاوضات بانتظام في هذه المرحلة، بعكس المرحلة السابقة. ولعلّ مردّ ذلك يعود إلى اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، هذا فضلًا عن نجاح المفاوض الإيراني بسياسة شراء الوقت نتيجة لتحكّمه بمضيق هرمز، الفاعل الأول في مسار الاقتصاد العالمي من جهة، ومن جهة ثانية ابتزاز الولايات المتحدة عبر منظمة حزب الله في لبنان ومدى تأثيرها في الأمن الإسرائيلي، وما يشكّله ذلك من خطورة على حقّ الوجود الذي تستميت إسرائيل نتانياهو في الدفاع عنه.

جولة سويسرا وإرساء أساس جديد

ووفقًا لتسريبات أوردتها صحيفة “الغارديان”، يبدو أنّ جولة سويسرا التفاوضية قد وضعت “أساسًا جديدًا” للإطار التفاوضي، ما يمهّد للوصول إلى اتفاق نهائي خلال مهلة الستين يومًا.

ولعلّ أهمّ ما سهّل الوصول إلى هذه الأسس هو قبول الجمهورية الإسلامية بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن إطار التفاهم الجاري التفاوض عليه، لقاء تخفيف بعض القيود على صادرات النفط الإيرانية والإفراج عن جزء من الأموال المجمّدة.

وهذا ما قابله الجانبان بعودة الحركة التجارية البحرية بصورة شبه طبيعية إلى مضيق هرمز، ما انعكس ارتياحًا نسبيًا في الأسواق. ولعلّ هذا ما يريده المفاوض الأميركي من جهة والإيراني من جهة ثانية.

فالأول سرعان ما انعكس ذلك ارتياحًا في السوق الداخلية لديه بعد انخفاض النفط دون عتبة الـ35 دولارًا، كما بدت إيران أكثر ارتياحًا نتيجة خروج نفطها بطريقة مضمونة.

إعادة إنتاج التجربة السابقة؟

ولكن الملفت في ذلك كلّه إشكالية تطرح نفسها: لماذا تعيد الولايات المتحدة الأميركية ترامب تجربة الولايات المتحدة الأميركية أوباما؟ وما نفع التسويق لإنجازات في هذه الصفقة بينما المسار هو نفسه؟ أولم يتّعظ العقل الأميركي من تجاربه السابقة التي أعادت إنتاج حركات المقاومة بقوة دفع كبيرة، ما أدّى إلى أحداث السابع من أكتوبر؟

مصلحة إسرائيل ومصلحة حزب الله

أمام هذه الأسئلة تبرز أيضًا تساؤلات عن مصلحة إسرائيل في ذلك. هل فشل نتانياهو في إظهار إسرائيل داعيةً إلى السلام؟ هل عاد إلى مربّع إسرائيل المرتبطة وجوديًا بنظرية الحروب المستمرة؟ ما يعني ذلك أنّ بقاء سلاح حزب الله هو حاجة إلى طرفَي الصراع.

فالمنظمة بحاجة إلى هذا السلاح لتحكم قبضتها على الدولة اللبنانية بالكامل، تمهيدًا إلى تغيير صورتها لتشبه، في التفاصيل، الجمهورية الإسلامية في إيران. وذلك لن يتمّ إلّا بتسييل السلاح صلاحياتٍ دستورية في صلب الدستور اللبناني.

كذلك، إسرائيل بحاجة إلى بقاء هذا السلاح لتبقي هذه الجبهة مفتوحة، وبالتالي لتحيا على القلق الوجودي وابتزاز الولايات المتحدة بالتسليح والتمويل، ليبقى الاقتصاد الإسرائيلي المموّل من أميركا اقتصادًا للداخل المقاتل، فيما يتحوّل اقتصاد الغاز الطبيعي والثروات إلى اقتصاد للمنافسة الخارجية.

لبنان بين حسابات العهد وحسابات التفاوض

فيما يبدو أنّ جهود فخامة الرئيس المتواضعة في التوصل إلى حلّ مستدام مع إسرائيل لن تسير وفقًا لحسابات العهد الجديد، بل وفقًا لما نجح المفاوض الإيراني في ربطه.

وهذا ما قدّمه الأميركي من خلال إنشاء آلية أو خلية تنسيق خاصة بالوضع اللبناني بهدف منع الانزلاق إلى مواجهة واسعة وتثبيت التهدئة بين لبنان وإسرائيل؛ بحسب ما أوردته جريدة “نيويورك بوست”.

الجنوب بين الحقيقة والصدمة

هذا ما تمّت ترجمته بانخفاض منسوب التوتر على الجبهة اللبنانية، ما سمح لبعض الجنوبيين بالعودة إلى الحقيقة التي لا يزال بعضهم يرفض رؤيتها: منازل مدمّرة، قرى تمّ محوها من الجغرافيا اللبنانية، قتلى يمنةً ويسرةً على الطرقات المجروفة، تركت القلوب نازفة.

هذا الواقع فتح أعين بعض الذين سلّموا منظمة حزب الله كلّ شيء وعيونهم مغلقة. هل أبصروا اليوم؟ أم أنّ ما رأوه في الجنوب اقتصر فقط على النظر؟

الهدنة الهشّة والهدف الإسرائيلي

كما بدا الواقع سورياليًا من الناحية الإسرائيلية، حيث صرّح نتانياهو أنّ الجيش الإسرائيلي سيواصل حرية العمل العسكري في لبنان رغم المسار التفاوضي الجاري.

ما يؤشّر إلى احتمال سقوط هذه الهدنة الهشّة والعودة إلى المربّع الأول، لأنّ الإسرائيلي عازم على القضاء على أسطورة تلة “علي الطاهر” للرمزية التي حمّلتها إيّاها منظمة حزب الله طوال هذه السنوات.

الاهتمام الأميركي – الإيراني بلبنان وحدوده

هذه المؤشرات كلّها تُقرأ من باب ازدياد الاهتمام بلبنان بسبب الاهتمام الأميركي – الإيراني بمنع انهيار وقف إطلاق النار. لكنّ هذه المسألة ليست بيد كلا الطرفين.

فالموقف الإسرائيلي الداعي إلى حرية العمل العسكري كفيل وحده بضرب هذا الزخم الذي تحاول كلّ من واشنطن وطهران استيلاده، لما في ذلك من أهمية للطرفين على حدّ سواء.

ماذا بعد التفاهمات؟

يتوقّع استمرار المفاوضات التقنية الأميركية – الإيرانية لترجمة هذه التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية. والمنتظر صدور مواقف إسرائيلية إضافية توضّح حدود التزامها بالترتيبات المقترحة الخاصة بلبنان.

ولكن، نتيجة للتجارب المرّة مع إسرائيل وللإصرار على إبعاد هذا الخطر، وفقًا للمنظور الإسرائيلي، عن حدودها، ولأنّ الإسرائيلي قد اتّعظ من تجارب الماضي، استبعدت بعض المصادر السياسية لبوابة بيروت التزام إسرائيل بما تمّ التوصّل إليه من تفاهمات.

وذلك لأنّه لا يمكن للإسرائيلي أن يسمح بتكرار تجارب الأشهر الخمسة عشر، كي لا نرجع إلى المرحلة التي امتدّت من العام 2006 وحتى تاريخ 8 أكتوبر 2023، ولا سيّما أنّ المصادر الصحافية الإسرائيلية غالبًا ما كتبت أنّ هذه هي الحرب الأخيرة التي ستخوضها إسرائيل قبل تثبيت الاستقرار.

وهذا ما يدفعنا إلى ترقّب أي مؤشرات حول موعد جولة جديدة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية أو الاجتماعات الثلاثية ذات الصلة، وبقاء الجبهة الجنوبية تحت اختبار الهدوء النسبي الحذر؛ إذ إنّ أي حادث ميداني محدود قد ينعكس سريعًا على المسار السياسي.

عوامل إضافية قد تؤثّر في المشهد

كما أوردت صحيفة “الغارديان” أنّ استمرار المناخ الإيجابي للمفاوضات الأميركية – الإيرانية قد يؤدّي إلى انتقال البحث من وقف النار إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر ديمومة تخصّ الجنوب اللبناني خلال الأيام المقبلة.

يبقى ذلك كلّه رهنًا بتطورات الميدان الجنوبي، هذا من دون إغفال إمكانية أي زعزعة داخلية في إيران، ولا سيّما بعد مظاهرات العشرين من الجاري التي وقعت في باريس، فضلًا عن المعطيات الجديدة التي سرّبتها القناة الثانية عشرة الإسرائيلية، والتي أوردت أنّ الإدارة الأميركية تجري اتصالات مع المعارضة الإسرائيلية وسط تقديرات تشير إلى وجود فرصة كبيرة لتغيير حكومة نتانياهو.

بصيص أمل في الأفق

ولكن يبقى بريق بسيط لاح في الأفق، حيث برز الخطاب الوجداني لنائب الرئيس الأميركي الذي خصّ فيه مسيحيي لبنان بلفتة. لكنّه تغاضى عن أنّ بلاء المسيحيين كان بسبب غياب الدولة، نتيجة للسياسات الأميركية السابقة، ودعم إيران التي لعبت بدورها بوجودية الدولة اللبنانية على حساب بناء منظومتها العسكرية خارج إطار هذه الدولة.

الخلاصة

في المحصّلة، إنّ العزم الأميركي على سرعة ترتيب ملفات المنطقة يأتي من باب التهديدات؛ تارةً للرئيس اللبناني بالرئيس السوري، وتارةً بالمعارضة الإسرائيلية للإطاحة بنتانياهو.

هذا كلّه ليحافظ على المفاوضات ويمنع انهيارها.

يبقى أن نترقّب الميدان الجنوبي، الذي وحده قادر على الإطاحة بكلّ التفاهمات الهشّة.

فهل سيضرب نتانياهو كلّ ما يعتبره الرئيس الأميركي إنجازات له، غير آبه بشعوب المنطقة، ولا سيّما المسيحيين منهم، لقاء تحقيق إنجازه في الحرب الأخيرة؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك