من دمشق إلى بيروت فـ واشنطن : الهدف… السلام

خاص بوابة بيروت

لعلّه من أبرز المسائل التي تمّ إثارتها في لقاء عون – ترامب هي ترداد أسطوانة التدخّل السوري في لبنان. واللافت كيف بدا الرئيس اللبناني حازمًا في هذا الموضوع، لكن لم يخفِ الرئيس الأميركي الخيار البديل. وربّما تكون هذه الفكرة لإخراج لبنان من موقعه الحالي أي إحدى أهمّ أوراق التفاوض الإيرانيّة؛ وذلك من خلال دفعه نحو الدّولة القويّة. فهل ستستطيع بيروت ترجمة مخرجات لقاء واشنطن؟ وهل تنجح دمشق بالحياد الإيجابي تجاه بيروت؟ 

من الوساطة إلى الشراكة

من أهمّ مخرجات لقاء واشنطن الذي بدا من آداء الرئيس ترامب في الشكل؛ فلقاؤه بزيلينسكي التأنيبي انعكس سلبًا على الرئيس الأوكراني. بينما اللقاء الذي حدث مع الرئيس عون والتناغم بينه وبين الرئيس ترامب يعكس بعدًا واضحًا مفاده أنّ هذه الزّيارة قد تمّ تهيئة ظروفها منذ سنين، ولم يحدّد موعدها حتّى نضوج اللحظة. فواشنطن كانت دائمًا بحالة البحث عن شراكة مع لبنان الدّولة. وما تريده من لبنان أن يكون سيّد نفسه. وهي مستعدّة لضمان السيادة اللبنانيّة. 

وهذا ما أسقط عمليًّا نظريّة الوسيط الذي يدير الدّولة في لبنان. وبالتّالي مسألة أن تتدخّل دمشق كوسيط بين اللبنانيّين أو حتّى لإدارة لبنان باتت ساقطة بقوّة الأمر الذي بات واقعًا وحقيقيًّا. فهذه المهمّة تكرّست من المكتب البيضاوي حكرًا للدولة اللبنانيّة. وانتقلنا عمليًّا من شبه دولة تتنازل عن سيادتها وقرار الحرب والسلم فيها إلى دولة في طور الصّعود انتزعت سيادتها وقرار السلم والحرب فيها من براثن الميليشيا وسلاحها غير الشّرعي، وهيمنتها على السيادة بقوّة سلاح الأمر الرّاهن. 

حذارِ بيرل هاربور 2026

سابقًا في العهد الديمقراطي، المطلوب كان تقليص النّفوذ الإيراني في لبنان. أمّا اليوم فالخيار الأميركي أضحى متماهيًا مع إرادة السواد الأعظم من اللبنانيّين، أي إعادة صياغة مفهوم الدّولة اللبنانيّة من خلال إعادة تعريف دورها في النّظام الإقليمي الجديد الذي سيتشكّل حكمًا بعد الإجهاز على إيران.  

والمختلف اليوم في طريقة التنفيذ. حيث يبدو أنّ توقيت نهاية الأزمات في الشرق الأوسط سيكون قبل موعد الانتخابات النّصفيّة بإسقاط النظام الإيراني نتيجة للإنهاك الأمني والعسكري والمجتمعي والاقتصادي النّاجم عن سلسلة الضربات المتصاعدة، والمرشّحة للتصاعد أكثر. 

في هذه الحالة، يخشى من بيرل هاربور القرن تنفّذها إيران على أقرب القواعد الأميركية جغرافيًّا إليها. عملًا بثقافة الموت الانتحاري التي تسود العقل المتحكّم بالدّاخل الإيراني. هذا الدّاخل الذي لا زال يتحرّك على إيقاعات مختلفة تجمعها ثقافة واحدة هي ثقافة الموت. وهذه الفرضيّة إن حصلت ستسرّع في عمليّة التغيير التي باتت حتميّة في الشرق الأوسط كلّه. 

لبنان من ورقة تفاوض إلى شريك في التسوية

بالعودة إلى الساحة اللبنانيّة، بات مؤكّدًا أنّ لبنان بعد زيارة واشنطن لن يكون كما قبلها. لقد أعلنت الشراكة بين واشنطن وبيروت لتحقيق مسار السلام. وذلك لن يكون إلّا انطلاقًا من البوّابة السياديّة. وليس تفصيلًا بسيطًا ذلك العلم اللبناني الذي غرسته يد الشرعيّة اللبنانيّة فوق تراب الجنوب. لو أنّ بعض السفهاء انبرى إلى تسخيف هذا العمل وذريعته عدم وجود احتلال إسرائيلي في زوطر حيث تمّ غرس العلم.

من هذه الدّلالة السياديّة تقرأ رسالة واشنطن في ملفّ نزع السلاح الذي تعتبره منقوصًا إن لم تنجح السلطة اللبنانيّة بنقل القرار الذي اغتصبه هذا السلاح طوال نيّف وأربعة عقود وإرجاعه إلى حيث وجب أن يكون، أي في المؤسسات اللبنانيّة التي لا ترتهن لإيديولوجيا او أحلاف أو محاور أو أنظمة. 

السلام يبدأ من السيادة

لا تستطيع دولة ناقصة أن تبرم أيّ اتّفاق لأنّه سيتعرّض للاهتزاز فالسقوط عند تبدّل موازين القوى. واشنطن تربط موضوع السلام باستعادة سيادة الدّولة اللبنانيّة. وهنا تكمن المصلحة الأميركو- إسرائيليّة. وفي هذه الجزئيّة يجب انتزاع المصلحة اللبنانيّة بتحرير الأرض كلّها من البوّابة الديبلوماسيّة. وهذا ما نجح به فخامة الرّئيس، وخطا الخطوة الأولى اليوم. تمهيدًا للعبور من بوّابة السيادة إلى السلام.

هذا الترابط في المعادلة شكّل بحدّ ذاته ورقة قوّة بيد رئيس الجمهوريّة، وفي ما يبدو من سياق الأحداث استطاع استثمارها في لقاء واشنطن. وبالتّالي أقفل بوّابة العودة إلى لبنان أمام دمشق، وفتح باب الشراكة مع الدّولة السوريّة الصاعدة بمباركة أميركيّة، لتكون المرحلة القادمة، والتي على ما يبدو أنّها قد اقتربت، مرحلة شراكة في بناء الدّولة، وتعاون اقتصاديّ -استثماري خدمة للشعوب. 

فالمعطيات، لا بل المعلومات التي تسلّلت إلى الوسط اللبناني تفيد بأنّ واشنطن سحبت ملفّ بيروت من يد طهران. وهكذا بات الحديث عن مسار إسلام آباد ماضيًا ولن يعود. هذا إن بقي مسار إسلام آباد في ظلّ استمرار وتصاعد الضربات حتّى النّهاية المرتقبة والقريبة. 

يبقى أنّ سيناريو خطير يلوح في الأفق يكمن في استعمال القوّة الصلبة لنزع السلاح. هذه القوّة التي قد لا تكون لبنانيّة وحسب. من هنا تفهم إشارة فخامته إلى برّي الذي اعتبر أنّ الرئيس ترامب يفهمه اكثر من اللبنانيين. قد يكون أمل فخامته من الرّئيس برّي المساعدة في استعمال القوّة النّاعمة. نترقّب الأيام القادمة لنرى صحّة هذه الفرضيّة. لو أنّ بعضهم الآخر اعتبرها سقطة رئاسيّة بتلميع صفحة برّي سيّد العهود الغابرة. 

ترجمة الفرصة الأخيرة للدولة

هذه الفرصة الأخيرة للدّولة لا يمكن ترجمتها إلّأ من البوابة السياديّة. ويجب أن يدرك المسؤولون جميعهم أنّ اندفاعة واشنطن عرضة للتوقّف في أيّ لحظة تلمس فيها إدارة ترامب أيّ تلكّؤ تحت ذريعة مراعاة النّظير في لبنان. وهنا بالتحديد قد يكون الدّور الرئيس في ذلك لأرانب الرّئيس برّي التي نأمل بأن تكون قد أصيبت بالعقم وانقرضت قبل زيارة واشنطن. 

رسالة لقاء واشنطن واضحة للملء. الرئيس ترامب مستعدّ ليدعم الدّولة في لبنان إلى أبعد حدود، لكنّه ليس مستعدًّا لإيجاد أرنب تعايش جديد بين ازدواجيّة السلطة والسلاح تحت ذريعة الخوف من الانفجار الكبير. والعين على قدرة الدّولة والمؤسسات التنفيذيّة وأوّلها مؤسسة الجيش اللبناني التي وعد الرّئيس ترامب بدعمها. 

فهل سيقدر اللبنانيون تحويل لحظة الضغط الخارجي إلى فرصة لإعادة بناء العقد الوطني، لا إلى سبب جديد للانقسام؟ وهل ينجح فخامته بنقل لبنان من موقع «الورقة» على طاولات التفاوض إلى موقع «الشريك» في صناعة السلام، ليصبح السلام نفسه ثمرةً طبيعيةً لقيام الدولة، لا بديلًا عنها ولا نقيضًا لها؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك