الجيش اللبناني : تحبّه؟ إعمل له

خاص بوابة بيروت

لطالما عرفت مؤسسة الجيش اللبناني مدّعين كثر بحبّها والإخلاص لها في بلد مثل لبنان. ولكن عندما تقع الواقعة يكثر الشتّامون وسرعان ما يسعون لانقسام في صفوف الجيش نتيجة لولاء بعض صغار النّفوس في هذه المؤسسة لغير فلسفتها؛ ولا نقول عقيدتها. لأنّ العقائد صلبة لا تخضع لقوانين الطبيعة والحياة، بينما الفلسفة هي التي تكوّن قوانين الحياة. وبها كُوِّنَ كلّ شيء، ومن دونها ما كان شيء ممّا كان.

يحلّ عيد المؤسّسة وتعلو بعض الأصوات من الخارجة التي تدعو لإلغائها لأنّها باعتقادهم لا تقوم بواجبها. لكن بالنّسبة إلينا كمواطنين لبنانيين نؤمن بسيادة الدّولة والحرّيّة والحياد والاستقلال، فمؤسسة الجيش اللبناني هي الضامن لبقاء الدّولة دولة. ولأنّ الدّولة في لبنان غير مكتملة السيادة فهذا يعني حتمًا أنّنا مقصّرون بحقّ مؤسستنا الوطنيّة.

لذلك كلّه، المطلوب من الدّولة اللبنانيّة في هذه المرحلة بالذّات أن تعمل على إعادة صياغة فلسفة جديدة لمؤسسة الجيش اللبناني، بعيدًا من العقائد البائدة التي سادت في القرن الماضي. وذلك تماشيًا مع عصر الذكاء الاصطناعي الذي بتنا في صلبه، لكنّنا بعيدون كلّ البعد من أعماقه. هذه الفلسفة وجب أن تقوم أوّلًا على توضيح الفارق بين الفلسفة والعقيدة، بغضّ النّظر عن التكامل الكياني – المؤسسي بينهما وذلك كالآتي:

  • الفلسفة تُعنى بالإجابة عن السؤال: لماذا يوجد الجيش؟ وما هي رسالته في الدولة والمجتمع؟ وما المبادئ والقيم التي تحكم وجوده وسلوكه؟
  • أما العقيدة العسكرية فتجيب عن أسئلة مختلفة، من قبيل: كيف يقاتل الجيش؟ وكيف يستخدم القوة؟ وما هي استراتيجياته ووسائله وقواعد عمله؟

فالفلسفة إذًا تمثّل الإطار الفكري والأخلاقي والقيمي للمؤسّسة، وهذا ما تستند إليه العقيدة التي تشكّل ترجمة عمليّة لهذه الفلسفة في ميادين الدفاع والأمن والقتال وحتّى الحياد. وهكذا تسقط عن مهمّة التطوّع في هذه المؤسسة الصفة الوظيفيّة التي تؤمّن مستقبل الفرد من خلال ما قد يتقاضاه من امتيازات وتعويضات في الخدمة وبعدها.

وهكذا انطلاقًا من أسس هذه الفلسفة تصبح الدّولة وثقافة الدّولة الغاية الأولى لكلّ متطوّع في هذه المؤسّسة. فلا يعلو على هذه الغاية لا غاية دينيّة أو أمميّة أو سلطة سياسيّة أو ما شابه ذلك. فهو جيش وُجد لخدمة الدولة اللبنانية وحدها، لا لخدمة السلطة لأنّها آنيّة وعابرة.

وتؤمن هذه الفلسفة بأن السيادة لا تتجزأ، وأن احتكار الدولة للقوة المسلحة هو الشرط الأساسي لقيام دولة القانون، فلا شرعية لأي قوة موازية أو منافسة لسلطة الدولة. وافنسان عماد هذه الفلسفة. فهو جوهر الأمن الوطني الذي تعمل من أجله هذه المؤسسة. وذلك لأنّ الأمن الذي يشعر به هذا الانسان لا يكون بصونه من أيّ خطر عسكريّ بل بقدرة هذه الدّولة على تأمين العدالة في القانون والمساواة في الحقوق والواجبات.

فالقوّة في صلب فلسفة الجيش يجب ألّا تكون الغاية، كما هي الحال في بعض جيوش المنطقة. لأنّ دور الجيش بحسب هذه الفلسفة يجب أن يكمن في قدرته على تحقيق السلام والاستقرار وقوّته لا تستعمل إلا بالتناسب ليحفظ القيم الإنسانيّة وليعزّز هيبة الدّولة.

أمّا قوانين هذه الفلسفة فيجب أن تنبثق من مجموعة القوانين الفكرية التي تحكم الوظيفة والدّور وتتلخّص بالآتي: لا دولة بلا جيش، ولا جيش خارج الدولة؛ واحتكار القوة المسلحة حق حصري للدولة؛ وكل سلطة عسكرية تستمد شرعيتها من الدستور والقانون؛ والسيادة الوطنية لا تتجزأ ولا تُشارك؛ وولاء العسكري للوطن قبل الأشخاص والأحزاب؛ والأمن الحقيقي يقوم على العدالة وسيادة القانون؛ والقوة تُقاس بقدرتها على منع الحرب أكثر مما تُقاس بقدرتها على خوضها؛ وكرامة المواطن معيار نجاح المؤسسة العسكرية؛ والجيش مؤسسة وطنية جامعة فوق كل الانقسامات؛ وأخيرًا، فإن كل قرار عسكري يجب أن يخدم المصلحة الوطنية العليا ويحافظ على استقلال الدولة ووحدتها وحيادها.

ولا يمكن لهذه القوانين الفلسفية إلّا أن تنسجم مع منظومة القيم الثابتة التي وحدها تحقّق الهويّة الأخلاقيّة للجيش وتجعله صديق النّاس، وليس مرهّبهم. وفي مقدمة هذه القيم الشرف، والواجب، والتضحية، والشجاعة، والانضباط، والنزاهة، والحكمة، والعدالة، والمسؤولية، والولاء للدولة، واحترام حقوق الإنسان، والتضامن الوطني. وهذه القيم هي البوصلة البتي توجّه القرارات العسكريّة.

هكذا يبقى السلاح في خدمة الحرية والسيادة والسلام، وهذا ما قد يؤسّس في المستقبل القريب لدولة قوية، وعادلة، وسيدة، وقادرة على حماية مواطنيها وصون استقلال قرارها الوطني. ولأنّنا نحبّ جيشنا نعمل له.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك