#قلعة_الشقيف… حين يصبح تدمير #الأرض اختبارًا لإنسانيتنا

بقلم خلود وتار قاسم

كنت قد اتخذت قرارًا بيني وبين نفسي أن أبتعد عن السياسة. لا لأنني فقدت رأيي، ولا لأنني لم أعد أميز بين الحقّ والباطل، بل لأنني شعرت أن الضجيج أصبح أكبر من الحقيقة، وأن كثرة الكلام لم تعد تصنع وعيًا، بل أصبحت تستهلكه.

لكن هناك أحداثًا لا يمكن التعامل معها كأنها مجرد خبر في نشرة أخبار. هناك لحظات يصبح فيها الصمت نوعًا من التخلي عن إنسانيتنا. وما جرى في الشقيف هو واحدة من تلك اللحظات.

قد يختلف الناس على السياسة، وقد يختلفون على التاريخ، وقد يختلفون على قراءة الحروب ونتائجها. لكنني لا أصدق أن إنسانًا سويًّا يمكن أن يقف أمام مشهد تُقلب فيه الأرض رأسًا على عقب، وتُنسف الجبال، وتُمحى معالم المكان، ثم لا يشعر بأن شيئًا في داخله قد اهتز.

القضية بالنسبة إليّ ليست سبعمئة طنّ من المتفجرات، ولا هزة أرضية بلغت هذا الرقم أو ذاك. هذه أرقام سيحفظها المؤرخون، ثم ينسونها. أما ما سيبقى فهو السؤال: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح تدمير الأرض مشهدًا عاديًّا لا يوقظ فيه غضبًا ولا حزنًا ولا حتى دهشة؟

أخشى أننا لا نخسر الأرض فقط، بل نخسر شيئًا في داخلنا أيضًا. فمن أخطر نتائج الحروب أنها لا تدمر المدن وحدها، بل تعيد تشكيل مشاعر الناس. تجعلهم يعتادون رؤية الخراب، ويتعايشون مع فكرة أن البيوت يمكن أن تُمحى، وأن الأشجار يمكن أن تُقتلع، وأن التاريخ يمكن أن يتحول إلى غبار، ثم تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يكن.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية. لأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية. الأرض هي الذاكرة الجماعية لشعب. هي وجوه الذين عاشوا عليها، وأصوات الأطفال في أحيائها، وأسماء القرى، ورائحة التراب بعد المطر، والقبور التي يزور فيها الأبناء آباءهم، والحكايات التي تنتقل من جيل إلى جيل. وحين تُستهدف الأرض بهذا الشكل، فإن المستهدف ليس التراب، بل العلاقة التي تربط الإنسان بماضيه، وتمنحه حقه في المستقبل.

ربما تستطيع القوة أن تغيّر شكل الجبل، وأن تهدم قلعة، وأن تقلب الصخور، لكنها لم تستطع يومًا أن تخلق انتماءً، ولم تستطع أن تمحوه بالقوة. فالانتماء لا يسكن الحجر، بل يسكن الإنسان. وإذا بقي الإنسان متمسكًا بذاكرته، بقيت الأرض حيّة، حتى وإن أثقلتها الجراح.

لهذا لم أستطع أن أصمت لأنني أرفض أن أصل إلى مرحلة لا يعود فيها هذا المشهد قادرًا على استفزازي. يوم يصبح اقتلاع الأرض خبرًا عاديًّا، وهدم التاريخ حدثًا عابرًا، ويُصبح استباحة الإنسان والمكان مجرد رقم في نشرات الأخبار… عندها لن تكون المشكلة فيما فعلته الحرب بنا، بل فيما فعلته بنا اللامبالاة.

وأنا أؤمن أن أخطر انتصار يمكن أن يحققه أي معتدٍ ليس أن يدمر أرضًا، بل أن ينجح في إقناع أصحابها بأن الدمار أصبح قدرًا، وأن الاعتياد عليه هو الطريق الوحيد للحياة. عندها فقط، لا يكون قد غيّر معالم الجغرافيا… بل يكون قد حاول تغيير الإنسان نفسه. وهذا ما يجب ألا نسمح له أن يحدث.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك