بقلم ماهر أبو شقرا – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
تستيقظ ذاكرتنا كلما مرّ الرابع من آب على هول جريمة تفجير مرفأ بيروت. هذا الجرح العميق الذي لم يلتئم بعد لمدينة لم تزل تحصي جراحها تحت ركام الإهمال والاستهتار، ولشعب يرى أنّ سياسة الإفلات من العقاب لم تزل هي القاعدة. إنّ تفجير مرفأ بيروت خلّف تصدّعات في جدران لبنان الوطن والأمّة.
وفي ظلّ الظروف الجيوسياسيّة التي يمرّ بها لبنان وبلدان الإقليم، وفي الوقت الذي تنحسر فيه قوّة محور سياسيّ لعب الدور الأساس في عرقلة مسار التحقيق في جريمة تفجير مرفأ بيروت، يبرز خوف من نوع آخر، الخوف من التسويات.
إنّ حسم المعركة السياسيّة الداخليّة مع المحور التابع لإيران قد يتطلّب تفكيك بعض الألغام السياسيّة، وتفكيك تلك الألغام قد يحتاج القيام ببعض التسويات. أنصافاً للعدالة ولذكرى ضحايا تفجير المرفأ وقضيّة أهالي الضحايا، واجب علينا مواجهة أي تسويات فوق دماء عاصمتنا بيروت.
إنّ تفجير بيروت هو لحظة رهيبة تكثّفت فيها جميع مشاكل النظام اللبناني، من تخزين لمواد متفجّرة بين المدنيين وفي مرفق وطنيّ حيويّ، إلى الإهمال المتمادي، إلى التستّر والسكوت، إلى محاولة عرقلة التحقيق في الجريمة، وصولاً إلى تكريس مبدأ الإفلات من العقاب كأساس من أسس الحكم السياسي في لبنان.
كما أنّ هذا التفجير يشكّل لحظة سقوط للشرعيّة الأخلاقية للمنظومة الحاكمة والقوّة الوصيّة عليها، أعني حزبالله. وحين تتحول عاصمة بأكملها إلى مسرح للموت بسبب تواطؤ مقصود أو إهمال يرقى إلى مستوى الجريمة المنظمة، تسقط كل أعذار المنظومة المتحكمة بمقدرات البلاد. فتكديس مواد موت محققة في قلب المرفأ لسنوات طويلة، مع العلم المسبق بخطورتها، لا يُقرأ إلا كدليل ساطع على استهتار غير مسبوق بحياة البشر وأمن المجال الحيوي للوطن. أمّا التمنع عن المحاسبة، واختراع الحواجز السياسية والطائفية لتعطيل التحقيق، يفضح خوف الجناة الكامن من مواجهة الحقيقة. فالعدالة تخيف من اعتادوا إدارة الدولة كغنيمة وخاصرة رخوة. ولكلّ ذلك، فإنّ أي تسوية فوق دماء بيروت وضحايا تفجير 4 آب هي بمثابة إعطاء نفس جديد لمنظومة حكم تمرّ في لحظات حرجة.
إن الانتفاضة لحقّ الدم ليست ترفاً عاطفياً، إنّما هي الشرط الأساس لأي محاولة لإعادة بناء المجال العام واستعادة هيبة الدولة وكرامتها. ولذلك، نجد أنفسنا ملزمين بالدعوة إلى إعادة إحياء قضيّة تفجير مرفأ بيروت كقضيّة وطنيّة لا مجال لأيّ مساومة فيها. وهنا لا بدّ من التكتّل حول المبادئ التالية، وتنظيم تحرّك سياسي وشعبي وإعلامي حولها:
تثبيت مسار الحقيقة: وجوب إزالة كل الموانع من أمام التحقيق، وتمكين القضاء من وضع يده على الملف كاملاً، بلا شروط أو خطوط أحمر.
العدالة الكاملة بلا استثناء: أن يسقط الجميع أمام هيبة القانون، فلا مصلحة حزبية ولا صفة سياسية تعلو فوق ألم الضحايا وصرخة عائلاتهم.
من أعماق الألم المتجذّر في شوارع بيروت، يبقى اليقين بأن لبنان الوطن والأمّة لن يستقيم ولن ينهض إلا بترسيخ قواعد الحق والمسؤولية والسيادة الحقيقية. ومهما طالت ظلمات التهرب والتعطيل، فإن الحقيقة قادمة لا محالة، لأن آلام بيروت أثقل وأعمق من أن يطويها الصمت.
