
مدير التحرير
خاص بوابة بيروت
صحيحٌ أن روما “٢” قد انتهت، لكن مفاعيلها على أرض الواقع لا تزال تتداعى وتتفاعل، في انتظار أن تصل إلى ما تريده الدولة اللبنانية. فلبنان اليوم منقسم بين فريقين: الدولة ذات السيادة التي تفاوض على الطاولة، والواقع على الأرض الذي يُرسم في الميدان. فهل تستطيع الدولة أن تحوّل التفاوض إلى استعادة فعلية للقرار والسيادة، أم أن الميدان سيواصل رسم ما تعجز طاولة المفاوضات عن حسمه؟
من روما ٢ إلى امتحان الميدان
روما ٢ لم تفشل، لكنها لم تنجح أيضًا. وهذه المراوحة لا يمكن اعتبارها حيادًا يؤمّن للدولة استمرارية وجود السلطة فيها كما هي اليوم؛ بل هي حيادٌ سلبيّ بامتياز، وقد لا يؤمّن للدولة إلا بابًا جديدًا من الفشل. ذلك أن الفشل إذا استمر وتصاعد، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار الهيكل على رؤوس الحاكمين جميعًا؛ إذ لا يمكن لدولة أن تبقى في موقع المتفرج فيما تتبدل الوقائع الأمنية والعسكرية والسياسية من حولها.
ومن هذا المنطلق، صحيحٌ أن انتهاء روما “٢” قد أخفَت إلى حدٍّ ما التصعيد السياسي تحت الرعاية الأميركية، لكنها تركت الواقع للميدان، الذي ما فتئ يرسم شروطًا جديدة. وهذه الشروط هي التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة؛ وهي مرحلة قد تؤدي، وفقًا لتداعيات روما ٢، إلى إعادة رسم شكل لبنان الجديد.
فلا يمكن لإسرائيل أن تقبل بالحياد السلبي الذي تمارسه الدولة اللبنانية في التعامل مع واقع وجود منظّمة حزب الله وسلاحه، كما أن المنظّمة لا تبدو مستعدّةً لأن تقدّم للدولة اللبنانية الدور الذي تريده الدولة منها بعد مفاوضات روما “٢”.
حين يصبح الميدان شريكًا في التفاوض
وهنا تكمن خطورة المرحلة: حين تعجز طاولة التفاوض عن إنتاج آلية تنفيذ واضحة، يتحول الميدان تلقائيًا إلى طاولة تفاوض بديلة. فإسرائيل، التي ترى أن الدولة اللبنانية لم تتمكن حتى الآن من إزالة كل البنى العسكرية لحزب الله، لن تنتظر دائمًا من الدولة اللبنانية أن تقوم بواجبها تجاه هذه المنشآت، بل تقوم هي بنفسها باستهدافها وتدميرها.
وهكذا يصبح السؤال أكثر خطورة: من يحدد قواعد اللعبة المقبلة: الدولة أم إسرائيل أم حزب الله أم الراعي الأميركي؟ وفي هذا السياق، برز حديث عن دور سويسري محتمل لمراقبة آلية التنفيذ، لما تحمله سويسرا من باع طويل في الحياد الإيجابي والناشط، وهو ما قد يجعلها مقبولة من لبنان وإسرائيل على السواء.
لكن الخشية تكمن في أن تتحول سويسرا إلى مجرد مراقب سلبي، كما كان يُنتقد دور قوات اليونيفيل في مراحل سابقة. فالإشكالية، في حال اعتماد سويسرا أو أي دولة أخرى، لا تكمن في اسم الدولة بقدر ما تكمن في طبيعة الدور الذي ستلعبه.
هل ستكون مجرد جهة ترصد وتوثق وترفع التقارير؟ أم ستملك القدرة على التدخل الفعلي؟
وهل تستطيع القوات التي قد تأتي إلى لبنان أن تشارك عمليًا في عمليات التفتيش والمداهمة والدخول إلى الأملاك الخاصة وفقًا لآلية قانونية واضحة؟
وهل سيكون لها دور يتجاوز دور الجيش اللبناني، أم أنها ستعمل تحت قيادته وبالتنسيق معه؟ وهل ستكون لها قوة فاعلة على أرض الواقع تستطيع مواجهة أي محاولة من حزب الله لمنع تنفيذ آلية التحقق؟
هذه أسئلة مشروعة لا إجابات واضحة عليها حتى الساعة.
سويسرا: مراقب أم طرف رابع؟
إذا أُنشئت آلية دولية جديدة للتحقق، فإن الأمر يعني عمليًا دخول طرف دولي إضافي إلى منظومة التفاوض والتنفيذ، وإن بقي الراعي الأميركي هو صاحب الدور الأساسي. وهنا يجب عدم الوقوع في خطأ التجربة السابقة: المراقبة وحدها لا تصنع التنفيذ.
فالقرار ١٧٠١، الذي صدر عام “٢٠٠٦”، لم يكتفِ بمراقبة وقف الأعمال العدائية، بل نصّ على دعم انتشار الجيش اللبناني جنوبًا، وعلى إقامة منطقة بين الخط الأزرق ونهر الليطاني خالية من أي سلاح أو أفراد مسلحين غير تابعين للدولة اللبنانية أو اليونيفيل.
لكن التجربة أثبتت أن وجود آلية دولية لا يكفي إذا لم تكن هناك إرادة سياسية وقدرة تنفيذية لبنانية واضحة. وهنا تكمن المفارقة: المطلوب اليوم ليس «يونيفيل جديدة» تراقب، بل آلية تنفيذ جديدة تمنع أن تتحول المراقبة إلى بديل عن التنفيذ.
فشل روما ٢ ليس فشلًا في التفاوض فقط
إنّ أخطر ما كشفته روما “٢” ليس فشل التوصّل إلى اتفاق، بل اتّساع الفجوة بين القرار السياسي والقدرة على تنفيذه. فالدولة اللبنانية قد تملك حسن النيّة، لكنها لا تملك بعد القدرة الكاملة على فرض قراراتها، فيما يستمرّ السلاح خارج سلطتها، فتجد إسرائيل في ذلك ذريعةً لمواصلة عملياتها.
وهكذا تدور البلاد في حلقة مفرغة: عجز الدولة، تصعيد إسرائيلي، مزيد من إضعاف الدولة، واستمرار الواقع المفروض عليها. وهنا تكمن خطورة الحياد السلبي. فالحكم صدر، وتنفيذه إمّا أن تتولّاه الدولة اللبنانية بأدواتها الشرعية والدستورية، وإمّا أن يتولّاه الآخرون بأدواتهم. وعلى الدولة أن تختار، وإلّا اختار الآخرون عنها.
لذلك، فإنّ ما بعد روما ٢ ليس مجرّد جولة مفاوضات جديدة، بل اختبار للدولة نفسها: فإمّا أن تنتقل من موقع المتلقّي للوقائع إلى موقع صانعها، وإمّا أن يستمرّ الميدان في صناعة السياسة بالنيابة عنها. فالمراوحة ليست حيادًا، والمراوحة حين تطول تصبح قرارًا.
أمّا لبنان الذي نريده، فلا ينبغي أن يكون طرفًا منتصرًا في حرب الآخرين، بل دولةً تنتصر على فكرة أن تكون ساحةً لحروبهم.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير