
ناشط سياسي
عدوّ عدوّي ليس حتمًا أن يكون صديقي
خاص بوابة بيروت
تحت نيران العدو الصهيوني اليومية، يستفزّني خطاب بعض اللبنانيين، ممن يرفعون راية السيادة واللبننة، ثم ينظرون إلى التقارب مع العدو الإسرائيلي وكأنه الطريق الطبيعي للخلاص من إيران. فلنختلف مع إيران كما نشاء، ولنعارض حزبها داخلياً كما نشاء، ولنتمسّك بسيادة الدولة اللبنانية وقرارها المستقل بكل وضوح؛ لكن منذ متى أصبح رفض عدو مبرراً للاستسلام لعدو آخر؟
الأخطر أن نسمح للغضب من إيران، أو للخصومة مع حزبها، بأن يجعلنا ننسى التاريخ والجغرافيا والمصالح الاستراتيجية الثابتة، وحق اللبنانيين بأرضهم جغرافياً وتاريخياً وانتماءً.
بالطبع، الكيان إسرائيل ليس وليد اليوم ولم يظهر بالأمس في المشهد اللبناني، وعدوانه منذ 2024 ليس الأول ولن يكون الأخير؛ منذ عقود، كان جنوب لبنان جزءاً من الحسابات الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية. في آذار 1978، اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان في ما عُرف بعملية «الليطاني»، ووصلت قواتها إلى ضفاف النهر. وبعد أيام، أصدر مجلس الأمن القرار 425، الذي دعا إلى الاحترام الصارم لسيادة لبنان وسلامة أراضيه واستقلاله السياسي، وطالب إسرائيل بوقف عملها العسكري والانسحاب فوراً من كامل الأراضي اللبنانية.
ثم جاء اجتياح 1982، الذي وصل خلاله الجيش الإسرائيلي الغاصب إلى بيروت، قبل أن يبدأ انسحابه التدريجي، ويبقى في جنوب لبنان ضمن ما عُرف بـ«الحزام الأمني» حتى الانسحاب الإسرائيلي عام 2000. فالحديث عن الجنوب باعتباره مجرد ملف أمني إسرائيلي طارئ هو، ببساطة، اختزال للتاريخ.
أما الليطاني، فقصته أقدم بكثير من الحرب الحالية؛ في خمسينيات القرن الماضي، كانت مياه الليطاني حاضرة بالفعل في النقاشات الإسرائيلية والأميركية المتعلقة بالمياه في المنطقة، وتوثّق وثائق الخارجية الأميركية أن إسرائيل كانت قد سعت إلى إدخال مياه الليطاني ضمن حساباتها المائية، فيما سجلت وثائق أميركية أخرى مخاوف لبنانية من أن تسعى إسرائيل مستقبلاً إلى السيطرة على مياه الليطاني بالقوة.
وهنا لا بد أن نتوقف عند ما يسمى اليوم بـ«خريطة نتنياهو» و«إسرائيل الكبرى»؛ في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2023، رفع نتنياهو خريطة تحت عنوان «الشرق الأوسط الجديد» ظهرت فيها الأراضي الفلسطينية ضمن إسرائيل المحتلة، وأثارت جدلاً واسعاً بسبب دلالاتها السياسية. وفي 2025 عاد نتنياهو نفسه إلى الحديث علناً عن رؤيته لإسرائيل الكبرى، وهو ما أثار اعتراضات عربية وإسلامية رسمية واسعة. المشكلة هنا ليست بخريطة معلّقة على جدار أو ورقة في خطاب، بل أن الأفكار الجيوسياسية لا تختفي لمجرد أننا لا نريد رؤيتها.
لا يمكن ان نغفل عن سردية «المملكة الموحدة» و«أرض الميعاد» الموجودة في التراث الديني والسياسي اليهودي منذ قرون، والتي قد وظفتها تيارات صهيونية ودينية وقومية بدرجات مختلفة. بالطبع لا ينطبق ذلك على اليهود بشكل عام، وليس كل اليهود يتبنون مشروع «إسرائيل الكبرى»، ولا أن هناك موقفاً إسرائيلياً موحداً حول حدوده؛ لكن الخطأ الأكبر أن نفترض أن هذه السرديات اختفت من الوعي السياسي لمجرد أننا كلبنانيين اخترنا أن نتوقف عن رؤية أبعادها. فما سقط ليس السردية، ما سقط هو ما تبقى في ذاكرتنا نحن عنها.
لذلك نحن اللبنانيين تحديداً لا يجوز أن نعاني من فقدان الذاكرة الجيوسياسية، لأن ما يجري اليوم في الجنوب هو ابعد من النقاش حول حزب إيران وسلاحه بل إن ذلك ابعد وأعمق بكثير، مع اننا لا يمكن ان ننكر أن الحزب كان الذريعة لإسرائيل لتبرر عدوانها المحتم على لبنان.
في 26 يونيو 2026 وُقّع إطار ثلاثي أميركي–إسرائيلي–لبناني، يربط الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل في الجنوب بشروط أمنية ونزع سلاح حزب الله. قد يرى البعض في هذا الإطار فرصة للسلام.
وأنا أقول: نعم، السلام مطلب كل اللبنانيين، لكن السلام الذي لا يحمي الأرض قد يتحول إلى آلية لإدارة خسارتها. فالخطر ليس أن تنسحب إسرائيل اليوم أو غداً، بل أن تتحول الترتيبات المؤقتة، والمناطق العازلة، والوقائع الميدانية، والاشتراطات الأمنية، والدول المراقبة، إلى واقع دائم يُعاد معه تعريف ما تبقى من السيادة اللبنانية في الجنوب. وعندها لن يكون السؤال من أين انسحبت إسرائيل؟ بل ماذا بقي من لبنان؟
الجنوب اللبناني ليس مجرد «منطقة أمنية»؛ هو بنت جبيل والنبطية ومرجعيون وصيدا، والليطاني جنوبه وشماله، وصور والناقورة. هو كفرحمام وبرعشيت والعيشية وتبنين والهبارية وحاصبيا، ونهر الحاصباني، وكفرشوبا وتلالها وشبعا ومزارعها. هو مروحين ويارين والقرى السبع، وميس الجبل وعيطرون وقلعة الشقيف والخيام والطيبة، وكفركلا وبلاط والقليعة، وحلتا وشويا، وكل قرى الجنوب الحبيب، أرض لبنانية غالية على قلوب اللبنانيين جميعاً.
لهذا أخشى أن يتحول الجنوب، تحت عنوان «الترتيبات الأمنية»، إلى مساحة معلقة بين سيادة لبنانية على الورق وواقع إسرائيلي تفرضه الجغرافيا والقوة على الأرض. وأخشى أكثر أن نستفيق يوماً لنكتشف أن «ورقة الإطار» لم تكن مجرد ورقة لتنظيم الانسحاب، بل بداية ترتيب جديد للجنوب، وأخشى حينها ان تصبح العناوين: ” الجنوب طار” بورقة “إ-طار”، ليس بقرار واحد، بل على مراحل.
أما الليطاني، فلا أعتقد أن علينا أن نكون ساذجين بشأن قيمته الاستراتيجية. المصلحة الإسرائيلية في مياهه ليست اختراعاً لبنانياً حديثاً، بل ملف تاريخي موثق، وقد ظل النهر حاضراً في الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية على مدى عقود. ولهذا أعتقد أن إسرائيل ستبقى مهتمة بالليطاني، بالمياه والعمق الاستراتيجي والجغرافيا التي تفصل الشمال الأرض المحتلة عن الجنوب اللبناني.
قد تتغير الحكومات والتحالفات والخرائط، وتتبدل أسماء الاتفاقيات والعمليات، لكن الجغرافيا والذاكرة والتاريخ تبقى، والمصالح الاستراتيجية لا تختفي لأنها أصبحت غير مريحة سياسياً. ولهذا أقول لمن يريد إنقاذ لبنان من إيران عبر الارتماء في حضن العدو الإسرائيلي: السيادة لا تكون باختيار أي وصاية نفضّلها.
السيادة أن يكون القرار لبنانياً بامتياز، له امتداده العربي الطبيعي، متناغماً مع عمقه العربي، وفي مقدمته الرؤية العربية التي تمثلها المملكة العربية السعودية، ضمن الجغرافيا والتاريخ والمصالح العربية المشتركة. لا أن يكون القرار إيرانياً ولا إسرائيلياً ولا أميركياً ولا تابعاً لأي دولة أخرى، ولا حتى مرهوناً ببعض السياسيين الجدد المنتمين، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى “لوبيات” ومشاريع خارجية.
وعلى مبدأ “من تحت الدلفة لتحت المزراب”؛ نحن لسنا أمام اختيار بين «الشر الإيراني» و«الشر الإسرائيلي». هذه ليست سياسة، وهذا فقط ما يمكن أن نعتبره “سذاجة جيوسياسية”، أو “بساطة سيادية”.
وفي خضم حالة الانفصام التي يعيشها اللبناني هذه الأيام، يمكن بالطبع أن تكون ضد إيران وضد حزبها وضد السلاح خارج الدولة، وأن تكون، أيضاً، في الوقت نفسه، ضد الاحتلال وضد الاستيطان وضد أي مشروع توسعي إسرائيلي. وهذا، في رأيي، هو الموقف اللبناني السيادي الحقيقي: “لبنان أولاً، أرضاً وسيادةً وقراراً ومياهاً وحدوداً”.
وفي الختام، لا يمكن أن نستبدل شيطاناً بشيطان آخر. فالشيطان يبقى شيطاناً، والعدو يبقى عدواً حتى لو كان عدواً لعدو آخر.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير