افتحوا الخزائن… فهمي شبانة وطارق عباس وعزام الأحمد

"ج4" حين جاءت اتهامات الفساد من داخل الجهاز المكلف بملاحقته

خاص بوابة بيروت

من السهل على السلطة أن تصف اتهامات خصم سياسي بأنها تصفية حسابات، لكن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما تأتي الاتهامات من رجل كان يعمل من داخل الجهاز الأمني نفسه وفي ملف مكافحة الفساد.

فهمي شبانة التميمي لم يكن، عندما بدأ بالكشف عن ملفاته، مجرد معارض يقف خارج مؤسسات السلطة؛ فقد كان ضابطًا في جهاز المخابرات العامة الفلسطينية وتولى رئاسة وحدة مكافحة الفساد فيه، وقال إن عمله في التحقيق بملفات الفساد كان يجري بتوجيه من قيادة الجهاز.

وفي 29 يناير/كانون الثاني 2010، نشرت The Jerusalem Post مقابلة موسعة معه قال فيها إن محمود عباس كان قد كلفه قبل ذلك بنحو أربع سنوات بالعمل على مكافحة الفساد داخل السلطة، وإنه توصل خلال عمله إلى ملفات تتعلق بمسؤولين كبار وأموال عامة.

وفي تلك المقابلة، وجه شبانة اتهامات قاسية إلى بنية الحكم الفلسطيني، وقال إن الفساد المالي وسوء الإدارة أصبحا من أسباب فقدان قطاعات من الفلسطينيين ثقتهم بالسلطة. كما تحدث عن مسؤولين فلسطينيين قال إن بعضهم وصل إلى الأراضي الفلسطينية بإمكانات مالية محدودة، قبل أن تتضخم ثرواتهم لاحقًا إلى عشرات، وربما مئات الملايين من الدولارات، وفق ادعائه. وهذه تبقى اتهامات شبانة وشهادته الشخصية، وليست أحكامًا قضائية نهائية.

لكن الملف اقترب لاحقًا بصورة مباشرة من عائلة محمود عباس. في 15 فبراير/شباط 2010، وثقت الجزيرة تصريحات لشبانة بصفته المدير السابق لوحدة مكافحة الفساد في جهاز المخابرات، وقالت إنه جدد اتهاماته لمسؤولين في السلطة وقيادات في فتح بالفساد.

والأهم أنها سجلت أنه كان قد ظهر قبل ذلك في لقاء مع قناة الحوار الفضائية التي تبث من لندن واتهم فيه أبناء محمود عباس بالفساد صراحة، وقال إن ما كشفه لم يكن سوى «غيض من فيض»، مدعيًا امتلاكه مئات الأدلة المتعلقة بأبناء الرئيس ومسؤولين في السلطة وفتح.

وفي 22 فبراير/شباط 2010، خرج شبانة في مؤتمر صحفي في القدس باتهامات إضافية تتعلق بأملاك وأراضٍ، وقال إن مستشارًا لمحمود عباس منعه من حماية عقار قرب المسجد الأقصى تعود ملكيته لمنظمة التحرير الفلسطينية.

مرة أخرى، هذه اتهامات أدلى بها شبانة ونشرتها وسائل الإعلام وليست أحكامًا قضائية، لكنها تكشف حجم الملفات التي قال إنه كان يتعامل معها من موقعه السابق داخل جهاز المخابرات.

وقد رفضت السلطة الفلسطينية روايته واتهمته في حينه بأن ما يطرحه يأتي في إطار حملة تستهدف محمود عباس، فيما قال مسؤولون فلسطينيون إن اتهاماته مرتبطة بمؤامرة إسرائيلية؛ وهي رواية يجب تسجيلها أيضًا بوصفها رد الطرف المتهم على شبانة.

لكن المشكلة بالنسبة إلى من يريد إسقاط ملف أبناء عباس كله باعتباره مجرد “خصومة شخصية مع فهمي شبانة” أن الأسئلة المتعلقة بثروة ياسر وطارق لم تبقَ معلقة على شهادته أصلًا.

فبعد ذلك ظهرت وثائق ومحاضر أميركية رسمية سمّت ياسر وطارق عباس بالاسم وناقشت ثروتهما وشركاتهما وعقودًا ممولة من USAID، ووصل الأمر إلى المطالبة بالتحقيق في ثروة محمود عباس ونجليه لمعرفة ما إذا كانت الأموال الأميركية قد ساهمت في ممتلكاتهم؛ وهي الوثائق التي عرضناها بالتفصيل أعلاه. ثم عادت المسألة في جلسة مجلس الشيوخ عام 2024، عندما اتهم السيناتور بيت ريكيتس محمود عباس بتحويل أموال عامة ومساعدات دولية لإثراء “نفسه وعائلته”.

وبذلك تصبح شهادة شبانة جزءًا من الملف وليست أساس الملف كله. يمكن للسلطة أن تطعن في دوافع الرجل، ويمكنها أن تقول إن بينه وبينها خصومة، وهذا حقها؛ لكن ذلك لا يمحو حقيقة أن الأسئلة المتعلقة بعائلة عباس وثروتها ونفوذها الاقتصادي ظهرت لاحقًا، وبصورة مستقلة، في محاضر الكونغرس والتحقيقات الصحفية الدولية والوثائق المالية التي تناولناها في هذا التحقيق.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكبر من فهمي شبانة نفسه: إذا كان الرجل كاذبًا أو مدفوعًا بخصومة كما تقول السلطة، فكيف تفسر السلطة أن الأسئلة التي أثارها حول المال والعائلة والنفوذ عادت للظهور، من مصادر مستقلة ومتباعدة، على امتداد أكثر من عقد؟

طارق عباس.. الوجه الاقتصادي الآخر للعائلة

قد يكون ياسر اليوم الأكثر حضورًا سياسيًا، لكن طارق عباس جزء أساسي من القصة الاقتصادية. العقود والشركات والمصالح التجارية المرتبطة بالأخوين كانت معروفة منذ سنوات، والجدل حولها وصل كما ذكرنا إلى المؤسسات الأميركية.

ولا يعني نجاح رجل أعمال فلسطيني أن الرجل فاسد. هذه قاعدة يجب أن تبقى واضحة. لكن عندما يصبح صاحب النشاط الاقتصادي ابن رئيس يحكم دون انتخابات رئاسية جديدة منذ أكثر من عقدين، وتعمل شركات العائلة في اقتصاد تتحكم السلطة بجزء مهم من مفاصله التنظيمية والمالية، يصبح الإفصاح الكامل عن المصالح والعقود والعلاقات مع المال العام ضرورة، وليس ترفًا.

السؤال ليس: لماذا أصبح طارق أو ياسر ثريين؟ السؤال هو: كيف تكوّنت الثروة؟ ما العقود التي حصلت عليها الشركات؟ من نافس عليها؟ من موّلها؟ وهل توجد علاقة مباشرة أو غير مباشرة بين القوة السياسية والقوة الاقتصادية؟

وهذه الأسئلة لا تجيب عنها بيانات العلاقات العامة. تجيب عنها الحسابات والعقود والسجلات.

عزام الأحمد.. النفوذ الذي يحتاج إلى كشف الحساب

ثم يأتي عزام الأحمد، أحد أقدم رجال المنظومة السياسية المحيطة بمحمود عباس، والذي ارتبط اسمه طويلًا بملفات فتح ومنظمة التحرير ولبنان والمصالحة الفلسطينية.

حول عزام وشقيقه علام الأحمد نُشرت اتهامات مالية وعقارية متعددة، بعضها ارتبط بشهادة فهمي شبانة وبعضها أعادت نشره مصادر فلسطينية مختلفة.

لكن هنا يجب أن نكون أكثر صرامة من أصحاب الاتهامات أنفسهم. لا ينبغي تحويل كل قائمة عقارات منشورة على الإنترنت إلى حقيقة. ولا ينبغي أن تصبح كل رواية عن ملايين الدولارات إدانة.

المطلوب من عزام الأحمد وغيره بسيط للغاية: الشفافية. إذا كانت الاتهامات كاذبة، فليكن الرد بالوثائق. ما ممتلكاته ومصالحه المعلنة؟ ما علاقة أقاربه بالملفات التي أدارها؟ وما طبيعة الأدوار التي اضطلع بها شقيقه حيث ورد اسمه في الروايات المتعلقة بصفقات وأصول فلسطينية؟

إن المنصب العام لا يمنح صاحبه حصانة من السؤال؛ بل يجعله أكثر التزامًا بالإجابة.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك