هل فعلًا ” نحن مكمّلين” ؟

خاص بوابة بيروت

إسرائيل تبلغ أميركا عبر قنوات أمنيّة أنّ مخطّط المناطق التّجريبيّة في جنوب لبنان قد فشل. ومنظّمة حزب الله تطلق مسيّرات على المنطقة الأمنيّة في مرتفعات علي الطاهر، والرئيس عون من مقر الأمن العام ينتقد حزب الله، من دون تسميته قائلا إنّ هنالك من لا يريد الدّولة، لكننا نقول لهؤلاء “نحن مكملين. ” وتوازيًا تكمل إسرائيل ضرباتها بشكل تصاعديّ على علي الطّاهر وصولًا إلى قرى النبطيّة.

هذه الوقائع كلّها تنبئ بأنّ الضوء الأحمر الذي تستعمله أميركا لتهدّئ إسرائيل وتمنعها من الإقدام على أيّ عمل في مرتفعات علي الطّاهر، لقاء بازارات هرمز التي لا زالت تمارسها إيران، هذا الضوء سيتحوّل إلى أخضر. لكن ما يترك تساؤلات جمّة لماذا هذا الاهتمام الإيراني بهذا الموقع؟
لطالما شكّلت منشأة عماد 4 اللغز السّرّي لمنظّمة حزب الله الذي تباهى به الأمين العام السابق. ومع اتّضاح ساحة المعركة لا يمكن إلّا الخروج ببعض الاستنتاجات حول أهميّة هذا الموقع:

  • أوّلًا: من البديهي أنّه يتضمّن أكبر مركز قيادي متقدّم لقربه بنحو 10 كيلومترات من الحدود الاسرائيليّة في منطقة المطلّة المقابل لبلدة كفركلا اللبنانية. ولهذا يبدو الاهتمام من قبل منظمة حزب الله.
  • ثانيًا: الاهتمام الإيراني لا يمكن إلّا أن يكون لسببين: إمّا بسبب وجود ضبّاط وقياديين رفيعي المستوى من الحرس الثوري، لا تريد إيران تسليمهم للجيش اللبناني، وبالطبع لا تريدهم أن يقعوا أسرى بيد الإسرائيلي. هذا من جهة.
  • ثالثًا: من جهة ثانية، برغم الأضرار والخسائر التي منيت بها هذه المنظّمة، والحديث المطّرد عن الصواريخ الذكية إلّا أنّها لم تستعمل ولا مرّة. وهذا ما يترك شكوكًا حول احتمال وجود هذا السلاح النوعي في هذه المنشأة. وبالطبع يفضّل الإيراني أن يتمّ تدميره على أن تسيطر عليه إسرائيل.
  • رابعًا: يبقى احتمال يطرح وهو حول المخزون المالي المسيّل والجامد الذي تملكه المنظّمة. فبعد استهداف فروع القرض الحسن كافّة، طرحت عدّة استفهامات حول مكان الأموال. فهل من الممكن أن تكون علي الطّاهر بأنفاقها قد تحوّلت إلى خزائن للمال المغسول عبر السنين؟

ما من أحد يستطيع أن ينفي هذه الفرضيّات الأربع أو حتّى يؤكّدها، لكنّ الكلمة ستكون في الميدان بعد الضوء الأخضر. وما يؤكّد أنّ هذا الضوء بات قريبًا مسألتان:

  • لبنانيّة : عزم فخامة الرّئيس على استكمال المسار المطلوب من السلطة السياسية التي يرئسها بموجب الدّستور. وما عبارة ” نحن مكمّلين” سوى المزيد من التأكيد على حسن نيّة فخامته ومعه السلطة السياسية بالكامل. لكن هل تقارب هذه المسألة كلّ من إسرائيل ومعها الولايات المتّحدة من باب حسن النيّة فقط، في وقت أنّ الأعمال كلّها على أرض الواقع، تشي وكأنّ هذه السلطة مع المنظّمة، ينتظران أمرًا ما، قد يطيح بهذا المسار بأكمله؟
  • إسرائيلية / أميركيّة : كلّما اقترب موعد الانتخابات بات كلا الفريقين بحاجة إلى استثمار النّصر العسكري في المجال السياسي. ولعلّ هذا ما تبحث عنه إسرائيل في لبنان، استكمالًا لما تبحث عنه أميركا في هرمز، التي ما عادت تكتفي بها فقط، بل عاد الهدف إلى النّقطة الأولى المتمثّلة بقطع رأس الأفعى، أي إسقاط النّظام الإيراني من الدّاخل. في وقت توحي التسريبات كلّها بأنّ الدّعاية الإعلاميّة حول الصبر الاستراتيجي وحياكة السجاد وديبلوماسية حافّة الهاوية كلّها سقطت وانكشفت الحقيقة. وما سيزيدها انكشافًا هو الشارع الإيراني الملتهب.

ممّا لا شكّ فيه أنّ روما تبدو مشلولة. ولن تعقد أيّ جولة في القريب العاجل قبل تبدّل شيئًا ما. والأرجح أنّ هذا التبدّل سيكون في الميدان لا في ما تنتظره السلطة في لبنان. ولعلّ ما يجب إدراكه أنّ الفرص الممنوحة كلّها ليست بلا آفاق، لا بل هي مشروطة بشروط تنفيذيّة، لا يبدو حتّى الساعة أنّ هذه السلطة عازمة على تنفيذها.

هذا ما سيسقط الزيارة الإماراتية – الاستثماريّة من ناحية. وهذا ما قد يسقط أيضًا المومنتوم التفاوضي برمّته من ناحية ثانية. ولكن فليعلم الجميع أنّ هذا السقوط لن يكون دائمًا، بل سيكون سقوطًا ليذهب بعده الساقطون كلّهم إلى طاولة المفاوضات، فيوقّعوا بالدّم ما كان بإمكانهم توقيعه بالحبر فقط. وهذا ما حذّرنا منه مرارًا وتكرارًا. الاستثمار القادم لن يتوقّف عند الابتزاز بالاستقرار، لأنّ هذا الاستقرار سيتمّ فرضه بقوّة قوى الأمر الواقع.

ومن وحي أرسطو ومكيافيللي اللذان علّمانا أنّ الحاكم الذكيّ يدرك أن السلطة وسيلةٌ لبناء الدولة، أمّا الحاكم الساذج فيتوهّم أن الدولة وسيلةٌ لبناء سلطته؛ ندقّ ناقوس الخطر قبل السقوط المدوّي لأنّه لن ينفع البكاء وصريف الأسنان. وحذارِ ممّا علّمنا إيّاه منصور الرحباني أيضًا في مسرحيّة ملوك الطوائف: ” إذا راح الملك بيجي ملك غيرو، وإذا راح الوطن … ما في وطن غيرو.”

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك