
صحافي استقصائي وباحث في حقوق الانسان
من بوغوتا إلى الجولان: اعتراف يمنح إسرائيل مكسبًا سياسيًا ولا يمنحها السيادة
خاص بوابة بيروت
ليست كل القرارات الدبلوماسية قادرة على إنتاج آثار قانونية توازي الضجيج السياسي الذي تثيره. وهذا تحديدًا ما ينطبق على إعلان وزارة الخارجية الكولومبية، في 10 أغسطس/آب 2026، اعتراف حكومة بوغوتا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السوري المحتل، استنادًا إلى ما وصفته بالأهمية الاستراتيجية للمنطقة بالنسبة إلى أمن إسرائيل وحماية مواطنيها.
بهذا الإعلان، لم تكتفِ كولومبيا بتأييد الموقف الإسرائيلي أو التعبير عن تفهم مخاوفه الأمنية، بل تجاوزت ذلك إلى الاعتراف بنتيجة ترتبت على احتلال عسكري بدأ عام 1967، ثم جرى تكريسه من جانب واحد عبر فرض القوانين والإدارة الإسرائيلية على الإقليم عام 1981.
ولذلك فإن القضية لا تتعلق بخلاف في وجهات النظر السياسية، بل بتعارض مباشر بين قرار دبلوماسي منفرد وقواعد قانونية دولية تحظر الاستيلاء على أراضي الدول بالقوة.
اعتراف يغيّر موقع كولومبيا ولا يغيّر هوية الجولان
احتلت إسرائيل معظم مرتفعات الجولان السورية خلال حرب يونيو/حزيران 1967. وفي 14 ديسمبر/كانون الأول 1981، أقرّ الكنيست ما عُرف بـ«قانون الجولان»، فارضًا القوانين والولاية القضائية والإدارة الإسرائيلية على المنطقة، في خطوة مثّلت ضمًا فعليًا للإقليم، بصرف النظر عن المصطلحات التي استخدمتها إسرائيل لوصفها.
بعد ثلاثة أيام فقط، أصدر مجلس الأمن القرار رقم 497 بالإجماع، وقرر أن فرض إسرائيل قوانينها وولايتها وإدارتها على الجولان السوري المحتل «باطل ولاغٍ ومن دون أثر قانوني دولي»، وطالبها بإلغاء قرارها. ولم يكن ذلك توصية سياسية قابلة للأخذ والرد، بل تحديدًا واضحًا للوضع القانوني للإقليم صادرًا عن الجهاز الأممي المسؤول عن حفظ السلم والأمن الدوليين.
كما يرتبط وضع الجولان بالقرار 242 لعام 1967، الذي أكد مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، وبالقرار 338 لعام 1973، الذي دعا إلى تنفيذ القرار 242. واستمرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في اعتماد تسمية «الجولان السوري المحتل»، وأعادت في قرارها رقم 80/73 الصادر عام 2025 تأكيد بطلان الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير طابعه ووضعه القانوني.
في ضوء ذلك، لم ينقل إعلان بوغوتا السيادة إلى إسرائيل، لأن كولومبيا لا تملك أصلًا سلطة التصرف في سيادة دولة أخرى أو إعادة رسم حدودها. ما تغيّر هو موقع كولومبيا داخل الخريطة الدبلوماسية، بعدما انتقلت من الالتزام بالموقف الدولي العام إلى الاصطفاف مع الاستثناء الأميركي–الإسرائيلي.
الاحتلال الطويل لا يتحول إلى ملكية
من المبادئ الأساسية التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية عدم جواز اكتساب الأراضي باستخدام القوة. ويستند هذا المبدأ إلى ميثاق الأمم المتحدة وإلى سلسلة طويلة من القرارات والممارسات الدولية التي أرادت منع الحروب من أن تصبح وسيلة مشروعة لتوسيع حدود الدول.
مرور الزمن لا يُسقط هذه القاعدة. كما أن بناء المستوطنات أو فرض القوانين أو تغيير البنية الإدارية والديموغرافية لا يحول السيطرة الفعلية إلى سيادة قانونية. فالاحتلال، مهما طال، يبقى حالة واقعية مؤقتة ولا يمنح القوة القائمة به حق امتلاك الإقليم.
ويترتب على ذلك واجب دولي بعدم الاعتراف بالأوضاع الإقليمية الناتجة عن انتهاكات جسيمة للقواعد الآمرة في القانون الدولي. ومن هنا تكمن خطورة القرار الكولومبي: فهو لا يكتفي بالتعامل مع واقع السيطرة الإسرائيلية، بل يحاول إضفاء وصف السيادة على نتيجة سبق لمجلس الأمن أن أعلن بطلانها وانعدام أثرها القانوني.
قد تحقق إسرائيل مكاسب سياسية من توسيع دائرة الدول المؤيدة لها، لكنها لا تستطيع جمع اعترافات متفرقة ثم تحويل مجموعها إلى سند للسيادة. فالاعتراف السياسي لا يصحح أصلًا غير مشروع، ولا يمنح الاحتلال شرعية بأثر رجعي.
عندما يتحول الأمن إلى ذريعة لرسم الحدود
استند البيان الكولومبي إلى أهمية الجولان بالنسبة إلى أمن إسرائيل، معتبرًا استمرار السيطرة الإسرائيلية عليه عنصرًا أساسيًا في قدرتها على حماية مواطنيها. وهذه الحجة تبدو في ظاهرها أمنية، لكنها تحمل في مضمونها سابقة شديدة الخطورة.
لا ينكر القانون الدولي حق الدول في حماية أمنها والدفاع عن نفسها، لكنه لا يساوي بين الدفاع المشروع وضم أراضي الدول الأخرى. كما لا يسمح بتحويل الموقع الاستراتيجي للإقليم إلى وثيقة ملكية لمصلحة القوة التي تحتله. وإلا أصبح من حق كل دولة قوية أن تستولي على مرتفع أو ممر أو منطقة حدودية ثم تطالب بالسيادة عليها بذريعة أنها ضرورية لأمنها القومي.
يمكن معالجة المخاوف الأمنية عبر اتفاقيات السلام، والمناطق منزوعة السلاح، وقوات المراقبة الدولية، وترتيبات الحدود والضمانات المتبادلة. أما السيادة فلا تنتقل بسبب التفوق العسكري أو الحاجة الأمنية، بل تخضع لقواعد القانون والاتفاقات المشروعة وحقوق الدولة صاحبة الإقليم.
إن قبول المنطق الذي تبنته الخارجية الكولومبية لا يهدد سورية وحدها. فهو يضرب الحماية القانونية التي تعتمد عليها الدول الصغيرة والمتوسطة في مواجهة الدول الأقوى، ويعيد العالم إلى مرحلة كانت الحدود فيها تُرسم بنتائج الحروب لا بأحكام القانون.
الطريق من واشنطن إلى بوغوتا
فتح الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا المسار في 25 مارس/آذار 2019، عندما وقّع إعلانًا رئاسيًا اعترفت بموجبه الولايات المتحدة بأن مرتفعات الجولان جزء من دولة إسرائيل. وكان ذلك خروجًا صريحًا عن الموقف الذي تمسكت به واشنطن والمجموعة الدولية طوال عقود.
لم يؤد الثقل الأميركي إلى تغيير الوضع القانوني للجولان. فالأمم المتحدة لم تعدّل توصيفها للإقليم، والقرار 497 بقي قائمًا، كما واصل الاتحاد الأوروبي والغالبية الساحقة من دول العالم رفض الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليه. وظلت الولايات المتحدة لسنوات الدولة الوحيدة التي تبنت هذا الموقف.
جاء القرار الكولومبي لينهي العزلة العددية للموقف الأميركي، لا عزلته القانونية. فإضافة دولة ثانية إلى قائمة الاعتراف لا تنشئ قاعدة دولية جديدة، لكنها تمنح إسرائيل فرصة دعائية للقول إن الموقف الذي بدأ في واشنطن أصبح قابلًا للانتقال إلى عواصم أخرى.
ولا يمكن فصل قرار بوغوتا عن التوجه السياسي للحكومة الكولومبية الجديدة نحو تعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وخصوصًا في مجالات الأمن والتجارة ومكافحة المخدرات والتعاون العسكري. فالقرار ينسجم مع المسار الأميركي ويخدم هدف كسر الإجماع الدولي حول الجولان.
ومع ذلك، تفرض الدقة المهنية التمييز بين التأثير السياسي والدليل المباشر. فلا توجد، حتى تاريخ كتابة هذا المقال، وثيقة علنية تثبت أن واشنطن أمرت الحكومة الكولومبية باتخاذ القرار أو قدمت لها مقابلًا محددًا لقاءه. أما الخارجية الكولومبية فقد قالت إن الإعلان جاء تنفيذًا لالتزام تم التوصل إليه بين كولومبيا وإسرائيل في 8 أغسطس/آب 2026. وبذلك يبقى التفاهم الكولومبي–الإسرائيلي هو العامل المباشر المعلن، بينما يظهر التأثير الأميركي في بناء المناخ السياسي الذي جعل مثل هذا التحول ممكنًا.
سابقة تبحث إسرائيل عن نسخها لاتينيًا
تمنح الخطوة الكولومبية الدبلوماسية الإسرائيلية نموذجًا يمكن تسويقه في أمريكا اللاتينية، ولا سيما لدى الحكومات التي تربطها علاقات وثيقة بواشنطن أو تتبنى توجهات مؤيدة لإسرائيل. ومن المتوقع أن تحاول تل أبيب تحويل هذا الاعتراف إلى مدخل لإقناع دول أخرى بأن الخروج عن موقف الأمم المتحدة لن يترتب عليه ثمن كبير.
غير أن الطريق إلى تكوين كتلة لاتينية مؤيدة للضم ليس مفتوحًا بسهولة. فدول القارة تتمسك تقليديًا بمبادئ سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم تغيير الحدود بالقوة، ليس فقط انطلاقًا من موقفها من الشرق الأوسط، بل لأنها ترى في هذه المبادئ حماية لمصالحها ونزاعاتها وحدودها.
كما أن وجود علاقات قوية مع إسرائيل لا يعني تلقائيًا الاعتراف بكل مطالبها الإقليمية. فهناك فارق بين التعاون الاقتصادي أو الأمني، وبين منح الشرعية لضم أرض تعود إلى دولة أخرى وتخضع لقرارات أممية واضحة. ولهذا قد تنجح إسرائيل في استقطاب عدد محدود من الحكومات المتقاربة معها، لكن تحويل القرار الكولومبي إلى موجة إقليمية واسعة سيصطدم بثقل دول مثل البرازيل والمكسيك وتشيلي، وبالتقاليد القانونية والدبلوماسية الراسخة في المنطقة.
الخطر، مع ذلك، لا يقاس بعدد الدول وحده. فكل اعتراف جديد يساهم في نقل الضم من دائرة الرفض المطلق إلى مساحة النقاش السياسي، ويمنح إسرائيل أداة إضافية للضغط من أجل تطبيع الأمر الواقع، حتى إن بقي الأثر القانوني لتلك الاعترافات معدومًا.
كلفة عربية صنعتها بوغوتا
أثار القرار الكولومبي رفضًا عربيًا مباشرًا. فقد أدانته سورية والسعودية ومصر وجامعة الدول العربية ودول عربية أخرى، وأكدت أن الجولان أرض سورية محتلة وأن إعلان بوغوتا لا يترتب عليه أي أثر قانوني. كما دعت المملكة العربية السعودية كولومبيا إلى مراجعة موقفها والالتزام بقرارات الشرعية الدولية.
لا يعني هذا الرفض أن العالم العربي سيتجه إلى قطع جماعي للعلاقات مع كولومبيا، فالعلاقات الدولية لا تُدار عادة بردود فعل متطابقة أو فورية. لكن القرار ألحق ضررًا واضحًا بصورة بوغوتا ومصداقيتها لدى الدول العربية، ووضع علاقاتها معها أمام اختبار لم تكن مضطرة إلى فتحه.
وقد يظهر هذا الضرر في تراجع مستوى الاتصالات السياسية، وضعف الدعم المتبادل داخل المنظمات الدولية، وإعادة تقييم بعض مجالات التعاون والاستثمار. وسترتبط درجة التصعيد العربي بما إذا كان الاعتراف خطوة منفردة أم بداية لتحول كولومبي أشمل يشمل نقل السفارة إلى القدس، وتغيير التصويت داخل الأمم المتحدة، وتبني المواقف الإسرائيلية تجاه الأراضي العربية المحتلة.
المفارقة أن كولومبيا تحملت كلفة دبلوماسية حقيقية من أجل قرار لا يستطيع تغيير متر واحد في الوضع القانوني للجولان. فقد ربحت إسرائيل اعترافًا سياسيًا، بينما خسرت بوغوتا جزءًا من توازنها ومصداقيتها لدى مجموعة واسعة من الدول.
المشكلة أبعد من حدود الجولان
لا تقتصر خطورة القرار على النزاع السوري–الإسرائيلي. فقبول ضم الأراضي تحت عنوان الأمن يفتح الباب أمام كل قوة احتلال في العالم لتقديم مبررات مشابهة. وستجد الدول التي تستولي على أراضي جيرانها في السابقة الكولومبية حجة جاهزة: السيطرة ضرورية للأمن، والأمر الواقع طال، وبعض الدول بدأت الاعتراف به.
هنا يظهر التناقض الذي يهدد النظام الدولي. فلا يمكن الدفاع عن سيادة الدول وسلامة أراضيها في نزاع، ثم تجاهل القاعدة نفسها في نزاع آخر بسبب هوية الحليف أو الخصم. القانون الدولي يفقد قوته عندما يتحول إلى أداة انتقائية، وتصبح قرارات الأمم المتحدة عديمة القيمة إذا جاز للدول تجاوزها عندما تتعارض مع تحالفاتها السياسية.
والدفاع عن سورية في قضية الجولان لا يتطلب تبني مواقف حكومتها في جميع الملفات، كما أن رفض ضم الإقليم لا يعني إنكار المخاوف الأمنية الإسرائيلية. المسألة أبسط وأكثر جوهرية: لا يجوز لدولة أن تكتسب السيادة على أرض دولة أخرى بالقوة، ولا تستطيع دولة ثالثة أن تمنحها ما لا تملكه.
السيادة لا تصدر ببيان دبلوماسي
استطاعت كولومبيا أن تمنح إسرائيل انتصارًا سياسيًا، لكنها لم تستطع منحها السيادة. فالجولان لم يصبح إسرائيليًا عندما وقّع ترامب إعلانه عام 2019، ولن يصبح كذلك بسبب بيان صادر عن الخارجية الكولومبية عام 2026.
لقد حُسم الوضع القانوني للإقليم في قرارات دولية واضحة: الجولان أرض سورية محتلة، وفرض القوانين والإدارة الإسرائيلية عليه باطل ومن دون أثر قانوني دولي. وأي تغيير مشروع في هذا الوضع يجب أن يأتي من خلال إنهاء الاحتلال أو تسوية قانونية واتفاق يحفظ السيادة والحقوق، لا من خلال اعترافات سياسية تحاول مكافأة القوة على ما استولت عليه بالقوة.
القرار الكولومبي لا يعيد رسم حدود الشرق الأوسط، لكنه يكشف مقدار الضرر الذي يمكن أن تُحدثه الاصطفافات السياسية عندما تتقدم على القانون. وما تغير في العاشر من أغسطس/آب لم يكن وضع الجولان، بل موقع كولومبيا من قاعدة دولية يفترض أنها تحمي جميع الدول بلا استثناء: الأرض لا تصبح ملكًا لمن يحتلها، والسيادة لا تُمنح من عاصمة بعيدة، والباطل لا يتحول إلى حق مهما ارتفع عدد المعترفين به.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير