النّهضة “الشرق – أوسطيّة” المرتقبة
زمن العيش مع الميليشيا من خارج النّظام السياسي وعلى حسابه قد ولّى إلى غير رجعة. والرّهان الوحيد الذي لا زالت دول ديبلوماسيّة حياكة السجّاد تمارسه هو رهان الوقت. فكما ذكرنا آنفًا: الاتّفاق مع الشياطين لن يبرم. والخشية من تكريس نماذج جديدة تعايشيّة بين السلاح غير الشّرعي والدّولة قد سقطت بفعل الهزّات التكتو – سياسيّة الكبرى في المنطقة.
خاص بوابة بيروت
تتحرّك الصحفات التكتو – سياسيّة بطريقة تكوينيّة جديدة في الشرق الأوسط برمّته. من اليمن إلى العراق فسوريا ولبنان وإسرائيل وفلسطين وصولًا إلى تركيا وإيران. وهذا ما يؤكّد أنّ سايكس- بيكو قد ماتت ودفنت تحت التّراب. ونحن اليوم نعيش مخاض الولادة الجديدة. فهل يستطيع النّظام الإقليمي الجديد مواكبة النّهضة العالميّة؟ أم منطقة الـ57 نبيًّا ستبقى قابعة في حرب الأنبياء حتى زمن الانقضاء؟
فالقرار السعودي حسم. لا هدنة مع الحوثيين بل المزيد من التّصعيد حتّى القضاء على هذه الظاهرة. ولكن حتّى الساعة يبدو أنّ حسابات المملكة أشدّ حذرًا من بعض الدّول في جوارها. لأنّ الحسم العسكري لا زال هشًّا لو أنّ القرار يبدو أنه حسم. وما الإتّفاقيّن الدّفاعيّتين اللتين وقّعتهما المملكة الأولى في 17 أيلول 2025 مع باكستان والثانية مع تركيا وباكستان في 7 آب 2026 سوى نتيجة للمزيد من الارتدادات التي خلّفتها الاهتزازات التكتو – سياسيّة في المنطقة.
فالإشكاليّة التي باتت تطرح على صعيد المنطقة تكمن في مدى قدرة المملكة على تفعيل هذه الاتّفاقيّات الدّفاعيّة. هل ستتحرّك مثلًا باكستان أو تركيا لتضرب الحوثي بالتّعاون مع المملكة؟ ولا سيّما أنّ المواجهة الأميركيّة – الإيرانيّة في أوجها. وهذا ما يؤشّر إلى أنّ ساعة الحسم عربيًّا قد حانت. لكن على الدّول المتضرّرة أن تكفّ عن الإتّكاليّة وتفعّل آليّاتها الدّفاعيّة للدّخول في عمليّة إنقاذ المنطقة واستئصال الأورام السرطانيّة حتّى لا تؤدّي إلى هلاك أجساد هذه الدّول بالكامل.
ولا ينفع المملكة أو غيرها تجنّبها تجرّع كأس الحرب الحاسمة. فبنهاية المطاف إن لم تذهب إلى الحرب فهذه الحرب آتية إليها ومن خلفها إلى سائر دول الجوار. فحماية مشاريع البحر الأحمر الاستثماريّة التي تبلغ قيمتها المليارات لا يمكن أن تتمّ بمهادنة الشياطين. فمعادلة الحفاظ على ستاتيكو أمني في المنطقة مع الإبقاء على الوضع العسكري الميليشياوي كما هو سيؤدّي في أقرب فرصة إلى اهتزاز الأمن الإقليمي من جديد. لذلك شبهنا المنطقة وكأنّها في معركة صفائح تكتونيّة ستكون نتيجتها زلازل كارثيّة.
أمّا في الملفّ اللبناني فعلى ما يبدو أنّ الأيّام تثبت يومًا بعد يوم مدى عدم جدّيّة مؤسّسات هذه السلطة السياسيّة التنفيذيّة على تطبيق هذه القرارات السياسيّة – السياديّة. فزمن العيش مع الميليشيا من خارج النّظام السياسي وعلى حسابه قد ولّى إلى غير رجعة. والرّهان الوحيد الذي لا زالت دول ديبلوماسيّة حياكة السجّاد تمارسه هو رهان الوقت. فكما ذكرنا آنفًا: الاتّفاق مع الشياطين لن يبرم. والخشية من تكريس نماذج جديدة تعايشيّة بين السلاح غير الشّرعي والدّولة قد سقطت بفعل الهزّات التكتو – سياسيّة الكبرى في المنطقة.
ولا يمكن إنكار الاهتمام الغربي بمنطقة شرقي المتوسّط لما تختزنه تحت بحرها من ثروات من الغاز الطبيعي. ستكون هذه الثروات مصادر الطّاقة على الأقلّ للخمسين سنة المقبلة. وهذا ما يحتّم إدخال المنطقة في الاستقرار الإيجابي، ولو اضطرّ الأمر إلى استعمال القوّة المفرطة.
فأيّ استقرار سلبيّ مع الحفاظ على ستاتيكوهات العصر السابق، يعني حربًا مؤجّلة؛ قد تنفجر بوجه المستثمرين في أيّ لحظة، فيتحوّل الأمن الاستراتيجي إلى أداة للابتزاز بيد هذه الجماعات والدّول الدّاعمة لها.
لذلك، أعتقد بأنّ النّظام الإقليمي الجديد الذي يولد على دماء شعوب المنطقة سيثمر نهضة مرتقبة مواكبة للتطوّر العالمي. والدليل أنّ الاستقرار السلبي في بعض الدّول حقّق نهضة نوعيّة كما حصل في الإمارات والمملكة وقطر والبحرين وسلطنة عمان والكويت وغيرها من الدّول. لكنّه اهتزّ عند أوّل قدرة لهذه الجماعات على ابتزاز هذه الدّول بأمنها.
هذا كلّه يثبت من جديد بأنّ الولادة القيصريّة آتية حتمًا. وأنّ شعوب هذه المنطقة لا يمكن أن تبقى تحت رحمة حرب أنبيائها. والنبوءة الجديدة ستكون حول مَن مِن هؤلاء الأنبياء سيقود مسار هذه المنطقة الجديد؟ ومَن منهم يتحكّم بمصيرها؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
