٧ أيلول : الدولة تراقب السائق… ولكن أين حقوقه في منظومة سير حديثة وقانون السير ٢٠١٢؟
بعد نحو 14 عامًا على صدور القانون، ربما لا يحتاج لبنان إلى قانون سير جديد بقدر حاجته إلى سؤال أكثر صعوبة: متى نطبّق القانون الموجود بكل مؤسساته وأدواته، بدل أن نتذكر منه المخالفة والغرامة فقط؟
خاص بوابة بيروت
دخلت حملة قوى الأمن الداخلي المشددة لضبط المخالفات المرورية حيّز التنفيذ في 7 أيلول 2026، بعد مرحلة من التوعية سبقت الانتقال إلى ضبط المخالفات على مختلف الطرقات اللبنانية.
وقد واكب تلفزيون لبنان انطلاق الحملة ميدانيًا، فيما شرح رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي العميد جوزيف مسلم أهدافها، وتناول المخالفات المرورية والغرامات المترتبة عليها، في تأكيد واضح أن المرحلة الحالية تتجه نحو تطبيق أكثر حزمًا لقانون السير.
الرادار حاضر أكثر. الهاتف خلف المقود تحت المراقبة. حزام الأمان ليس خيارًا. الحركات الاستعراضية، السير بعكس الاتجاه، تجاوز الإشارات والقيادة تحت تأثير الكحول، جميعها في صلب الحملة التي انتقلت من التوعية إلى ضبط المخالفات على أنواعها وفي مختلف المناطق اللبنانية.
القرار مرحّب به، خصوصًا عندما تكون الغاية الحد من الوفيات والإصابات على الطرقات.
لكن قبل أن نسأل المواطن: هل تعرف قانون السير؟
ربما على الدولة أيضًا أن تجيب عن سؤال آخر: ماذا فعل لبنان بقانون سير مضى على صدوره نحو 14 عامًا؟
قانون من 2012… وبعض أفكاره تبدو وكأنها مشروع للمستقبل
في 22 تشرين الأول 2012 صدر القانون رقم 243، ونُشر في الجريدة الرسمية في 25 تشرين الأول من العام نفسه.
ولم يكن القانون مجرد جدول مخالفات.
فهو نظّم الطريق، المركبات، تدريب السائقين، امتحانات السوق، المعاينة الميكانيكية، السلامة المرورية والمخالفات، وصولًا إلى إنشاء نظام نقاط مرتبط بكل سائق.
ومن أكثر مواده إثارة للاهتمام اليوم المادة 365.
تقول المادة إن كل سائق يحمل رخصة سوق صالحة يملك رصيدًا من: 12 نقطة.
عندما يرتكب مخالفة تستوجب سحب نقاط، ينخفض الرصيد.
وعندما يفقد السائق نقاطه كاملة، تفقد رخصته صلاحيتها وتسحب منه لمدة ستة أشهر، ويخضع خلال هذه الفترة لدورة متخصصة في إحدى مدارس تعليم السوق.
وإذا تكرر فقدان النقاط كاملة خلال ثلاث سنوات، تصبح مدة سحب الرخصة سنة كاملة، مع دورة متخصصة وإعادة امتحان السوق.
بل إن المادة 367 تمنح السائق حافزًا للسلوك الجيد: إذا مرّت سنة من دون مخالفة تستوجب سحب نقاط، يمكن أن تعاد إليه ثلاث نقاط، وإذا مرّت سنتان وفق الشروط القانونية تعاد النقاط المسحوبة.
أي أن فلسفة القانون لم تكن: «ادفع الغرامة وانتهى الأمر».
بل: سلوكك المروري يصبح سجلًا يتبعك.
وهنا السؤال البسيط بعد نحو 14 عامًا: أين هو نظام النقاط الذي وضعه القانون؟
والأغرب: القانون نفسه طلب نظامًا إلكترونيًا
المادة 364 لم تكتفِ بالنقاط، بل نصّت على إنشاء سجل مروري لدى قوى الأمن الداخلي لكل سائق.
أما المادة 369 فتذهب أبعد: مكاتب تنفيذ أحكام السير يجب أن ترتبط إلكترونيًا بقاعدة المعلومات والملفات لدى الإدارة المختصة Online.
نعم، كلمة Online موجودة في فلسفة قانون صدر سنة 2012.
أي أن رقمنة ملف السائق والمخالفة ليست فكرة نطرحها في 2026 لأن الذكاء الاصطناعي أصبح رائجًا؛ إنها جزء من بنية القانون منذ سنوات.
فإذا التقط الرادار اليوم مخالفة سرعة، لماذا لا تصل المخالفة إلى حساب المواطن الإلكتروني؟
ولماذا لا يستطيع أن يرى مخالفاته، نقاطه، رخصته، رسوم مركبته ومواعيد معاملاته في ملف رقمي واحد؟
ماذا تقدم الدولة اليوم فعليًا؟
للإنصاف، هناك تحرك.
هيئة إدارة السير والآليات والمركبات توفر حاليًا منصة إلكترونية لحجز المواعيد للخدمات التي تتطلب موعدًا، وأعلنت أيضًا أن استلام رخص السوق ورخص السير أصبح ممكنًا من أقسام وفروع مصلحة تسجيل السيارات والآليات من دون حجز موعد مسبق.
كما أصبحت هناك منصة إلكترونية خاصة بمدارس تعليم القيادة، تتيح للمدارس تسجيل الطلاب، وإدارة طلبات رخص القيادة واختيار الدورات التدريبية.
وهذه خطوات في الاتجاه الصحيح.
لكنها لا تزال مختلفة جذريًا عن الخدمة الرقمية المتكاملة.
المواطن لا يريد فقط أن يحجز إلكترونيًا كي يقف لاحقًا أمام شباك.
ما يحتاجه هو أن يبدأ المعاملة وينهي الجزء الأكبر منها رقميًا: طلب، مستندات، رسم رسمي واضح، موعد، امتحان، نتيجة، إشعار، متابعة ورخصة.
رسوم الميكانيك تُدفع… والمعاينة أين؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر المفارقات وضوحًا.
المواطن يستطيع اليوم الاستعلام إلكترونيًا عن رسوم الميكانيك المستحقة على مركبته، وهناك قنوات لتحصيل هذه الرسوم.
لكن المعاينة الميكانيكية نفسها عانت من التعطيل لسنوات.
وهناك فرق جوهري بين الاثنين.
رسم الميكانيك هو مال يُدفع.
أما المعاينة الميكانيكية فهي إجراء سلامة.
القانون يتعامل معها على هذا الأساس، ويتحدث عن صلاحية المركبة وفحصها، وصولًا إلى المركبات التي تعرضت لحوادث وأصبحت تشكل خطرًا على السلامة العامة، حيث يشترط التأكد من صلاحيتها قبل السماح لها بالعودة إلى السير.
لذلك يصبح السؤال مشروعًا: إذا دفع المواطن رسم الميكانيك، فماذا يحصل مقابل الجزء المتعلق بالسلامة الفنية للمركبة؟
فالسيارة لا تصبح آمنة لأن صاحبها دفع رسمًا.
وفي 2026: الشاحنات أيضًا دخلت التنظيم
هناك إجراءات ملموسة أخرى هذا العام.
بموجب القرار رقم 791 تاريخ 2 تموز 2026، نظمت وزارة الداخلية أوقات سير الشاحنات على الأراضي اللبنانية.
الشاحنات اللبنانية والأجنبية التي يزيد وزنها الإجمالي على 7.5 أطنان تُمنع من السير على الطرق الدولية والرئيسية والثانوية:
الجمعة: من الساعة 2 بعد الظهر حتى منتصف الليل.
الأحد: من الساعة 3 بعد الظهر حتى منتصف الليل.
القرار مفهوم من زاوية السلامة وتخفيف الضغط المروري.
لكن هنا أيضًا يظهر أن إدارة السير ليست فقط مخالفة سائق؛ إنها إدارة حركة وطنية كاملة: شاحنات، سيارات، دراجات، نقل عام، مشاة، طرق وإشارات.
ماذا عن امتحان القيادة؟
قانون 243 لم ينسَ هذه المسألة أيضًا.
فمن مهام الهيئات المعنية بالسلامة المرورية التي حددها القانون: اقتراح مناهج امتحان السوق العملي، وضع الامتحان النظري، تحديد معايير فاحصي السوق، تنظيم امتحانات مدربي السوق، واقتراح مناهج التعليم والتدريب في مدارس تعليم السوق.
والأكثر أهمية أن القانون نص أيضًا على اقتراح مناهج للتوعية المرورية في التعليم الأساسي والمتوسط والثانوي.
أي أن الفكرة التي نطالب بها اليوم موجودة في القانون نفسه: ثقافة السير يجب أن تبدأ في المدرسة، لا في اليوم الذي يقرر فيه الشاب استخراج رخصة.
وهنا يصبح النقاش الدائر حول خفض سن القيادة إلى 16 عامًا أكثر جدية.
قبل أن نسأل: هل نقود في السادسة عشرة أم الثامنة عشرة؟
لنسأل: ماذا نعلّم السائق قبل أن نعطيه المفتاح؟ وكم ساعة تدريب حقيقية يخضع لها؟ وكيف نضمن امتحانًا نظريًا وعمليًا موحدًا وشفافًا؟
فالسن وحده لا يصنع سائقًا آمنًا.
أين البيئة من قانون السير؟
وهناك مشهد لبناني يومي يستحق أن يدخل النقاش أيضًا.
سيارة أمامك. تفتح النافذة. يخرج منها عقب سيجارة، أو منديل، أو عبوة بلاستيكية.
نكمل الطريق وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن ماذا لو أصبحت التربية المرورية في المدرسة تشمل أيضًا المواطنة البيئية على الطريق؟
لا ترمِ عقب السيجارة.
لا ترمِ العبوة.
لا تحوّل الأملاك العامة إلى مكب.
ولا تنتظر شرطيًا حتى تتصرف بمسؤولية.
خصوصًا أن القانون نفسه أوكل إلى منظومة السلامة المرورية مهمة اقتراح حملات التوعية حول السلامة والقيادة الآمنة ودراسة إحصاءات الحوادث و«النقاط السوداء» على الطرقات.
في 2026 يمكن تطوير هذا المفهوم أكثر: كاميرات، بيانات، خرائط حوادث، ذكاء اصطناعي وتحليل للنقاط الأكثر خطورة.
ليس الهدف أن نستخدم التكنولوجيا فقط لنقول للسائق: أنت مخالف.
بل أيضًا لكي تسأل الدولة نفسها: لماذا تقع الحوادث مرارًا هنا؟
هل السبب السرعة؟ إنارة معدومة؟ حفرة؟ تصميم تقاطع؟ إشارة غير واضحة؟ أم سلوك السائق؟
إذًا، ماذا لدينا وماذا ينقصنا؟
لدينا قانون رقم 243/2012.
لدينا 12 نقطة نص عليها القانون لكل رخصة.
لدينا سجل مروري إلكتروني تصوره القانون.
لدينا امتحان نظري وعملي ومدارس تعليم سوق ومناهج نص القانون على تنظيمها.
لدينا معاينة ميكانيكية كجزء من منظومة السلامة.
لدينا مجلس وطني ولجنة وطنية للسلامة المرورية.
وفي 2026 لدينا منصة مواعيد، ومنصة لمدارس تعليم القيادة، وإجراءات جديدة للشاحنات، وحملة أمنية واسعة دخلت حيّز التنفيذ في 7 أيلول.
إذًا المشكلة ليست أن لبنان يبدأ من الصفر.
المشكلة أنه يملك أجزاء كثيرة من المنظومة، لكنه لم يحولها بعد إلى منظومة واحدة يراها المواطن ويستخدمها ويثق بها.
وهنا تكمن فرصة حملة 7 أيلول.
فلنطبق القانون على السائق، نعم.
لكن فلنطبق أيضًا القانون الذي ألزم الدولة ببناء النظام.
نريد أن يعرف المواطن كم يدفع ولماذا. أن يحجز ويدفع ويتابع معاملته إلكترونيًا. أن تكون رخصة القيادة نتيجة تدريب وامتحان حقيقيين. أن تعمل المعاينة الميكانيكية بوظيفتها الأساسية: حماية الناس. أن يصبح نظام النقاط فعليًا. وأن يتعلم الطالب في المدرسة أن الإشارة الحمراء وحزام الأمان وعدم رمي عقب السيجارة من النافذة ليست تعليمات لتجنب الغرامة، بل سلوك مواطن.
بعد نحو 14 عامًا على صدور القانون، ربما لا يحتاج لبنان إلى قانون سير جديد بقدر حاجته إلى سؤال أكثر صعوبة: متى نطبّق القانون الموجود بكل مؤسساته وأدواته، بدل أن نتذكر منه المخالفة والغرامة فقط؟
منذ 7 أيلول، بدأت قوى الأمن مرحلة أكثر تشددًا في تطبيق المخالفات.
والمواطن مطالب بأن يكون مسؤولًا أمام القانون.
لكن في دولة القانون، المسؤولية تسير باتجاهين: مواطن يحترم الطريق، ودولة تحترم القانون والوقت والخدمة التي وعدت بها مواطنيها.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير