الصَّارُوخُ الَّذِي يُمَهِّدُ الطَّرِيقَ: لِمَاذَا لَا تَبْحَثُ إِيرَانُ عَنِ الحَرْبِ بَلْ عَنِ الطَّاوِلَةِ؟

هُنَا تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ الوَرَقَةِ الحُوثِيَّةِ فِي العَقِيدَةِ الاسْتِرَاتِيجِيَّةِ الإِيرَانِيَّةِ؛ فَهِيَ «وَرَقَةُ جوْكَر» رَخِيصَةُ التَّكْلِفَةِ عَسْكَرِيًّا، بَاهِظَةُ التَّدْمِيرِ سِيَاسِيًّا.

خاص بوابة بيروت

فِي السِّيَاسَةِ، لَا تَتَحَرَّكُ الصَّوَارِيخُ دَائِمًا مِنْ أَجْلِ تَدْمِيرِ الأَرْضِ؛ أَحْيَانًا تُطْلَقُ لِتَعْبِيدِ الطُّرُقِ إِلَى طَاوِلَاتِ التَّفَاوُضِ.

وَحِينَ يَخْتَرِقُ صَارُوخٌ حُوثِيٌّ أَجْوَاءَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ الخَطَأَ الأَكْبَرَ هُوَ قِرَاءَةُ الحَدَثِ بِوَصْفِهِ مُجَرَّدَ جَوْلَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ عَابِرَةٍ بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالرِّيَاضِ. فَالصَّارُوخُ هُنَا لَيْسَ سِوَى لِسَانِ إِطْلَاقِ نَارٍ، أَمَّا العَقْلُ الَّذِي يُوَجِّهُهُ فَيَرْسُمُ خَرِيطَةً إِقْلِيمِيَّةً جَدِيدَةً مِنْ فَوْقِ طَاوِلَةِ مُفَاوَضَاتٍ مُظْلِمَةٍ. إِنَّ التَّصْعِيدَ الأَخِيرَ لَيْسَ رِسَالَةً مَيْدَانِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ فَصْلٌ جَدِيدٌ مِنْ اسْتِرَاتِيجِيَّةِ «رَفْعِ كُلْفَةِ الرَّفْضِ» الَّتِي تَتَبَنَّاهَا طَهْرَانُ؛ إِذْ تُؤْمِنُ المَدْرَسَةُ الإِيرَانِيَّةُ فِي إِدَارَةِ الأَزَمَاتِ أَنَّهُ مَتَى أَغْلَقَتْ وَاشِنْطُنُ أَبْوَابَ الحِوَارِ بِالشُّرُوطِ الإِيرَانِيَّةِ، وَجَبَ تَوْسِيعُ دَائِرَةِ الخَسَائِرِ وَالمُتَضَرِّرِينَ لِدَفْعِ العَالَمِ بِأَسْرِهِ نَحْوَ القَبُولِ بِالأَمْرِ الوَاقِعِ.

هَنْدَسَةُ الفَوْضَى: لِمَاذَا تَتَّسِعُ رُقْعَةُ الطَّاوِلَةِ؟

لَمْ يَعُدِ الصِّرَاعُ مَحْصُورًا فِي إِطَارِهِ اليَمَنِيِّ الضَّيِّقِ، بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنْ خُيُوطِ العَنْكَبُوتِ الَّتِي تُمْسِكُ بِهَا طَهْرَانُ. فالمُعَادَلَةُ وَاضِحَةٌ؛ إِذَا كَانَتْ وَاشِنْطُنُ قَادِرَةً عَلَى إِدَارَةِ ظَهْرِهَا لِلْمَلَفِّ الإِيرَانِيِّ، فَهِيَ عَاجِزَةٌ عَنْ تَجَاهُلِ أَزْمَةٍ تَمْتَدُّ مِنْ بَابِ المَنْدَبِ إِلَى أَعْمَاقِ الخَلِيجِ، وَتَطْرُقُ أَبْوَابَ مَصَالِحِ تُرْكِيَا وَبَاكِسْتَان.

هُنَا تَكْمُنُ عَبْقَرِيَّةُ الوَرَقَةِ الحُوثِيَّةِ فِي العَقِيدَةِ الاسْتِرَاتِيجِيَّةِ الإِيرَانِيَّةِ؛ فَهِيَ «وَرَقَةُ جوْكَر» رَخِيصَةُ التَّكْلِفَةِ عَسْكَرِيًّا، بَاهِظَةُ التَّدْمِيرِ سِيَاسِيًّا. طَهْرَانُ لَا تَنْتَظِرُ مِنَ الحُوثِيِّ نَصْرًا عَسْكَرِيًّا سَاحِقًا، بَلْ تُرِيدُ مِنْهُ أَنْ يُبْقِيَ المِنْطَقَةَ فِي حَالَةِ نَزْفٍ مُسْتَمِرٍّ، وَأَنْ يَجْعَلَ اسْتِمْرَارَ اللَّاسِلْمِ وَاللَّاحَرْبِ مُكَلِّفًا لِلرِّيَاضِ وَشُرَكَائِهَا، بِحَيْثُ تُصْبِحُ مَرَارَةُ الحِوَارِ أَخَفَّ وَزْنًا مِنْ عَذَابِ الاسْتِنْزَافِ. إِنَّهَا لُعْبَةُ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ الأَزَلِيَّةُ؛ ارْفَعْ مُسْتَوَى الخَطَرِ إِلَى الحَافَّةِ القُصْوَى، حَتَّى تُصْبِحَ التَّنَازُلَاتُ ضَرُورَةً وُجُودِيَّةً.

لَكِنَّ الرِّهَانَ الإِيرَانِيّ يتَجَاوَزُ حُدُودَ إِزْعَاجِ الخُصُومِ؛ إِنَّه يسْعَى لِهَنْدَسَةِ «حِلْفٍ اضْطِرَارِيٍّ» حَوْلَ طَاوِلَةٍ وَاحِدَةٍ تَضُمُّ وَاشِنْطُنَ وَالرِّيَاضَ وَأَنْقَرَةَ وَإِسْلَامَ آبَادَ. المُبْتَغَى لَيْسَ إِشْعَالَ حَرِيقٍ شَامِلٍ يَحْرِقُ الجَمِيعَ، بَلْ وَخْزُ الإِقْلِيمِ كُلِّهِ بِإِبْرَةِ القَلَقِ لِيُدْرِكَ الجَمِيعُ أَنَّ أَمْنَهُمْ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ تَسْوِيَةِ المَلَفِّ النَّوَوِيِّ وَالإِقْلِيمِيِّ الإِيرَانِيِّ. فَوَاشِنْطُنُ وَحْدَهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرْفُضَ الجُلُوسَ مَعَ طَهْرَانَ، لَكِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ إِدَارَةَ ظَهْرِهَا لِانْهِيَارِ أَمْنِ الطَّاقَةِ العَالَمِيِّ، وَاضْطِرَابِ خُطُوطِ المُلَاحَةِ، وَتَوَرُّطِ حُلَفَاءَ كِبَارٍ فِي أَتُونِ حَرْبِ اسْتِنْزَافٍ إِقْلِيمِيَّةٍ.

ارْتِدَادُ السِّحْرِ عَلَى السَّاحِرِ: مناورات الحبل المشدود.

لَكِنَّ هَذِهِ اللُّعْبَةَ تُشْبِهُ المَشْيَ عَلَى حَافَّة شَفْرَةٍ حَادَّةٍ؛ فَالضَّغْطُ إِذَا زَادَ عَنْ حَدِّهِ انْقَلَبَ إِلَى ضِدِّهِ. السُّعُودِيَّةُ لَيْسَتْ دَوْلَةً تَائِهَةً بِلَا بُوصَلَةٍ أَوْ خِيَارَاتٍ؛ وَإِذَا شَعَرَتْ بِأَنَّ النِّيرَانَ تَقْتَرِبُ مِنْ عَقْرِ دَارِهَا بِشَكْلٍ يُهَدِّدُ كِيَانَهَا مُبَاشَرَةً، فَلَنْ تَذْهَبَ إِلَى حَيْثُ تَرْغَبُ طَهْرَانُ، بَلْ سَتَتَّجِهُ نَحْوَ المُرَبَّعِ الَّذِي يَقْلِبُ الطَّاوِلَةَ بِرُمَّتِهَا: تَنْسِيقٍ عَسْكَرِيٍّ وَأَمْنِيٍّ أَعْمَقَ مَعَ وَاشِنْطُنَ، وَمَزِيدٍ مِنَ الحِصَارِ وَالضَّغْطِ عَلَى المِيلِيشْيَا، وَتَحْصِينٍ إِقْلِيمِيٍّ يُغْلِقُ الأَبْوَابَ فِي وَجْهِ النُّفُوذِ الإِيرَانِيِّ.

وَهُنَا تَعِيشُ طَهْرَانُ مَأْزِقًا هَنْدَسِيًّا دَقِيقًا: كَيْفَ تَضْغَطُ عَلَى الخُصُومِ بِالقَدْرِ الَّذِي يُجْبِرُهُمْ عَلَى التَّفَاوُضِ، دُونَ أَنْ تَدْفَعَهُمْ إِلَى التَّكْتُّلِ الشَّامِلِ؟ وَكَيْفَ تَسْتَخْدِمُ وَرَقَةَ الحُوثِيِّ لِإِبْرَامِ صَفَقَاتٍ كُبْرَى، دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ هَذَا الوَكِيلُ إِلَى شَرَارَةِ حَرِيقٍ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ طَاقَةً عَلَى إِطْفَائِهَا؟

وَفِي هَذَا المَشْهَدِ، تُطِلُّ تُرْكِيَا وَبَاكِسْتَانُ بِرَأْسَيْهِمَا مِنْ وَرَاءِ السَّوَاتِرِ. دُخُولُهُمَا إِلَى مَسْرَحِ الأَحْدَاثِ لَا يَعْنِي بِحَالٍ تَبَنِّيهِمَا لِلْأَجْنِدَةِ الإِيرَانِيَّةِ، بَلْ عَلَى العَكْسِ؛ فَامْتِلَاكُهُمَا لِمَصَالِحَ اسْتِرَاتِيجِيَّةٍ مَعَ وَاشِنْطُنَ وَقَنَوَاتِ اتِّصَالٍ مُتَشَعِّبَةٍ مَعَ طَهْرَانَ وَالرِّيَاضِ يَجْعَلُهُمَا رَكِيزَتَيْنِ مُحْتَمَلَتَيْنِ لِأَيِّ تَسْوِيَةٍ إِقْلِيمِيَّةٍ وَاسِعَةٍ، شَرِيطَةَ أَلَّا تَتَحَوَّلَ الأَزْمَةُ إِلَى مُوَاجَهَةٍ تَصْفِيرِيَّةٍ مُغْلَقَةٍ. وُجُودُ هَذَيْنِ الثِّقْلَيْنِ الإِقْلِيمِيَّيْنِ يَمْنَحُ الأَزْمَةَ بُعْدًا دُوَلِيًّا يَمْنَعُ انْفِرَاطَ العُقْدَةِ تَمَامًا، وَيَحُولُ دُونَ تَفَرُّدِ طَرَفٍ وَاحِدٍ بِتَقْرِيرِ مَصِيرِ الإِقْلِيمِ.

الصَّارُوخُ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْ عُنْوَانٍ

إِذَنْ، لَا يَكْمُنُ السُّؤَالُ الحَقِيقِيُّ فِي سَبَبِ إِطْلَاقِ الصَّارُوخِ، بَلْ فِيمَا تُرِيدُهُ طَهْرَانُ فِي اليَوْمِ التَّالِي لِسُقُوطِهِ. هَلْ تَسْعَى إِلَى حَرْبٍ شَامِلَةٍ تَلْتَهِمُ الأَخْضَرَ وَاليَابِسَ؟ أَمْ أَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ مُجَرَّدِ هَلَعٍ مَدْرُوسٍ يُحَسِّنُ شُرُوطَهَا عَلَى مَقَاعِدِ المُفَاوَضَاتِ؟

​عَلَى شَفِيرِ الهَاوِيَةِ أَوْ تَسْوِيَةُ الكِبَارِ !

الفَرْقُ بَيْنَ الاحْتِمَالَيْنِ شَعْرَةٌ أَرَقُّ مِنْ جَنَاحِ ذُبَابَةٍ. وَالسِّينَارْيُو الأَكْثَرُ عَقْلَانِيَّةً يُرَجِّحُ أَنَّ إِيرَانَ لَا تُرِيدُ حَرْبًا مُدَمِّرَةً لَا تَقْوَى عَلَى تَحَمُّلِ أَوْزَارِهَا، لَكِنَّهَا تُرِيدُ بَيْعَ «الخَوْفِ» بِأَغْلَى الأَثْمَانِ. الصَّارُوخُ هُنَا رِسَالَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِحِبْرٍ مِنْ نَارٍ وَدَمٍ، عُنْوَانُهَا المُبَاشِرُ لِوَاشِنْطُنَ: «تَسْتَطِيعِينَ إِدَارَةَ ظَهْرِكِ لِطَاوِلَتِنَا، لَكِنَّكِ لَنْ تَسْتَطِيعِيَ الهُرُوبَ مِنْ فَاتُورَةِ الدَّمِ المُوَزَّعَةِ عَلَى جُغْرَافِيَا المِنْطَقَةِ بِأَكْمَلِهَا».

إِلَّا أَنَّ الخَطَّ الفَاصِلَ بَيْنَ الضَّغْطِ المَحْسُوبِ وَالانْفِجَارِ غَيْرِ المُبَرْمَجِ أَرَقُّ مِنْ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ. فَالصَّارُوخُ الَّذِي يُطْلَقُ بِعِنَايَةٍ لِجَرِّ الخُصُومِ إِلَى قَاعَةِ المُفَاوَضَاتِ، قَدْ يَنْجَحُ يَوْمًا فِي مَسْعَاهُ، وَقَدْ يَفْشَلُ فَشَلًا ذَرِيعًا، بَلْ وَقَدْ يَفْعَلُ مَا هُوَ أَسْوَأُ: أَنْ يَجُرَّ الجَمِيعَ إِلَى حُفْرَةِ الحَرْبِ العَمِيقَةِ قَبْلَ أَنْ تُتَاحَ لَهُمْ فُرْصَةُ الجُلُوسِ عَلَى كُرْسِيٍّ وَاحِدٍ.

تِلْكَ هِيَ مَأْسَاةُ الإِقْلِيمِ المَفْتُوحِ عَلَى كُلِّ الاحْتِمَالَاتِ؛ حَيْثُ تُصْنَعُ السِّيَاسَاتُ أَحْيَانًا بِأُسْطُوَانَةٍ حَدِيدِيَّةٍ طَائِرَةٍ، وَحَيْثُ تَقِفُ المِنْطَقَةُ بِرُمَّتِهَا عَلَى مَسَافَةِ خُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ إِمَّا مِنْ تَسْوِيَةٍ كُبْرَى، أَوْ مِنْ هَاوِيَةٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا.

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك