بانوراما الأسبوع : من نيويورك إلى بيروت مَن يصل أوّلًا؟
لكن ما لم تفهمه هذه المنظّمة بعد، أو بالحري ما لا تريد ان تفهمه أنّ الواقع قد اختلف عن الماضي مع الإصرار على نزع السلاح، فضلًا عن ربط أّي تعزيز لمؤسسة الجيش اللبناني من قبل الولايات المتّحدة بهذا المسار. مع تأكيد إسرائيلي على منع المنظّمة بإعادة بناء قدراتها العسكريّة من الآن حتّى مئة سنة. فضلًا عن أنّ الدّاعم والضامن لوجود هذه المنظّمة أيّ الإيراني بات يلفظ أنفاسه الخيرة من قبل إيران.
خاص بوابة بيروت
أقفل الأسبوع الماضي على الذّكرى الثانية لاغتيال نصرالله في احتفال أعاد فيه الأمين العام الخلف للمنظّمة التأكيد على ثوابت اللادولة في استعادة سافرة لسرديّة قضى عليها الزّمن. حيث بدا الهدف من إحياء هذه الذّكرى هو محاولة لإعادة إنتاج الشرعيّة الرّمزية للمنظّمة بعد الخسائر التي منيت بها في مختلف الأصعدة. حيث عادو ووعد جمهوره بإعادة الإعمار. لكن من أين له هذا؟ لا احد يعرف. والعجب العجاب إذا كانوا لا زالوا يصدّقونه!
والمفارقة أنّ هذه المحاولة تأتي في لحظة تحاول فيها الدّولة اللبنانيّة بأركانها إعادة تكريس مرجعيّتها المؤسّساتيّة من أعلى منبر عالميّ. فهل سيكون ملفّ إعادة الاعمار الشرارة التي ستشعل الفتيل الذي لم ينطفئ بين الدّولة والدّويلة من جديد؟
التصعيد يسبق مفاوضات واشنطن
غارات وقصف على المنصوري منذ أيّام. واكثر من تفجير. وهذا ما يدفع إلى طرح السؤال: ماذا يوجد في المنصوري لتتعرّض هذه البلدة إلى هذا الكمّ الهائل من الضربات التي تتوالى بعدها التفجيرات والمفرقعات الصاروخيّة؟ فضلًا عن بدء الاستهدافات في سجد. وهذا يعني تحوّلًا ميدانيًّا في جغرافيّة المعركة القادمة.
وسياسيًّا يعني دخول المرحلة القادمة من المفاوضات على وقع تغيّرات ميدانيّة جديدة سيسارع الاسرائيلي إلى فرضها بالقوّة. فالتفاوض سيكون على أرض متحرّكة وفقًا لمعادلة مقابلَة الضغط العسكري بالمسار السياسي.
الاختبارات الصعبة في واشنطن
يتجه رئيس الحكومة نواف سلام إلى واشنطن للقاء وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مع ملفات تشمل المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية، الوضع في الجنوب، مستقبل الوجود الدولي بعد انتهاء ولاية اليونيفيل، ودعم الجيش اللبناني. ولكن هذه المرّة الجلسة لن تكون بروتوكوليّة بل ستكون ليستمع روبيو إلى ما يقدر أن يقدّمه سلام. وهو يعلم مسبقًا أنّ سلام لن يستطيع أن يقدّم شيئًا في الميدان اللبناني. ما يعني ذلك أنّ الترجمة في المفاوضات، إن لم تتعثّر، ستكون أعسر.
ذلك كلّه بغضّ النّظر عن المواقف العالية السقف لوزير الخارجيّة اللبناني يوسف رجّي الذي شدد على أن الدولة اللبنانية هي التي تتفاوض وتتحدث باسم لبنان، وأن القرار السياسي والأمني يجب أن يكون حصريًا بيد الحكومة. كما اتهم حزب الله بتحمل مسؤولية كبيرة عن الوضع الذي نشأ بعد فتح جبهة الجنوب، وقال إن الجانب الإيراني لم يستوعب بعد أن القرار اللبناني بات بيد الدولة.
وهكذا يكون رجّي بتصريحه هذا قد أعاد المواجهة الحقيقيّة التي من المفترض أن تكون قبل أحداث السابع من اكتوبر أي بين الدّولة مؤسّساتها ومنظّمة حزب الله لاستعادة القرار السيادي. لكن تبقى الاشكاليّة التي أعاد طرحها الرّجيّ حول قدرة الحكومة التي تمتلك الموقف القانوني والدّستوري وقدرتها على فرض هذا الموقف ميدانيًّا.
ولعلّ هذا ما سيشكّل الاختبار الصّعب أمام أكثر شخصيّة صلبة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وما بعد هذا اللقاء لن يكون الواقع الميداني في لبنان كما قبله. وهذا ما سيدفع الاسرائيلي للتّسريع في الاستثمار في عجز الحكومة اللبنانيّة.
من القوة الدولية ” اليونيفيل” إلى الدولة
عمليًّا انتهى دور اليونيفيل. وآن أوان عودة الدّولة إلى الحدود. ولكنّ هذا الملفّ سيبقى رهنًا في الاتصالات الأميركية والدولية المرتبطة بثلاثة عناصر: الانسحاب الاسرائيلي، انتشار الجيش اللبناني، والوجود الدّولي المرتقب.
هذه الثلاثيّة الجديدة التي تحكم النّقاش الدّولي حول جنوب لبنان. وهذه العناصر الثلاثة التي وضعها مؤتمر باريس الأخير في سلّة واحدة. وهذه المرحلة لن تكون مرحلة تقنيّة أو مجرّد ترتيبات امنيّة بل ستشكّل إعادة تعريف لمنظومة الأمن القومي للدولة اللبنانيّة في الجنوب. هل سيبقى ساحة إيرانيّة يديرها الحرس الثوري ومنظّمته؟ هل سيتحوّل إلى نموذج “هاغانا” إيرانيّة – لبنانيّة ضدّ إسرائيل؟ أم ستعود الدّولة إلى الجنوب بكامل قواها المؤسساتيّة؟
أمّا عن الوجود الدّولي المرتقب، فيكثر الحديث في الأروقة الأميركيّة أنّه لن يكون إلا تحت البند السابع الذي سيلزم مؤسسات الدّولة اللبنانيّة بالعمل تحته بكامل مؤسساتها، يضاف عليها إشراف مباشر للسنتكوم.
حزب الله أمام معادلة جديدة
المعلومات الإسرائيلية اليوم تتحدث عن إعادة انتشار حزب الله في الجنوب عبر مجموعات صغيرة، مع بقاء القسم الأكبر من قوته شمال الليطاني، وهي معلومات لا يوجد تأكيد مستقل لها. وهذا ما دفع الأصوات الأمنيّة الإسرائيليّة بالارتفاع للحديث عن إمكانيّة تجاوز الأوّلي بالاستهدافات. فضلًا عن بدء الحديث عن ضمّ منطقة الشريط الأصفر. في مزيد من الضغط على ما تبقّى من دولة لبنانيّة.
لكن ما لم تفهمه هذه المنظّمة بعد، أو بالحري ما لا تريد ان تفهمه أنّ الواقع قد اختلف عن الماضي مع الإصرار على نزع السلاح، فضلًا عن ربط أّي تعزيز لمؤسسة الجيش اللبناني من قبل الولايات المتّحدة بهذا المسار. مع تأكيد إسرائيلي على منع المنظّمة بإعادة بناء قدراتها العسكريّة من الآن حتّى مئة سنة. فضلًا عن أنّ الدّاعم والضامن لوجود هذه المنظّمة أيّ الإيراني بات يلفظ أنفاسه الخيرة من قبل إيران.
المعادلات السابقة سقطت، وإن لم تقارب المنظّمة المعادلات الجديدة فسقوط الدّولة كلّها بات حتميًّا.
السلام بالقوّة المفرطة
لبنان اليوم بين مسارين متناقضين جذريًّا: مسار الدّولة التي تكابد للبقاء على قيد الحياة، ومسار منظّمة حزب الله التي لا توفّر أيّ طعنة في ظهر هذه الدّولة لتقضي عليها نهائيًّا. وما كان سائدًا في الماضي لم يعد كذلك اليوم.
التجربة التاريخية منذ هدنة 1949، مرورًا بتفاهم نيسان 1996، ثم القرار 1701 عام 2006، تُظهر أن لبنان استطاع مرارًا الحصول على ترتيبات توقف الحرب، لكنه لم يحسم بصورة نهائية مسألة احتكار الدولة وحدها للقوة والقرار الاستراتيجي.
لذلك فإن المرحلة الحالية مختلفة فقط إذا نجحت في تحويل المعادلة من ترتيبات لوقف الحرب على غرار الماضي إلى ترتيبات لبناء دولة قادرة أن تذهب إلى السلام مرفوعة الرّأس؛ لأنّها إن لم تذهب بإرادتها ستذهب مطأطأة الرّأس ومكسورة الجناحين.
حذارِ أن يكون السلام بالقوّة المفرطة، ليعود وينتصر منطق شرعيّة القوّة على قوّة الشرعيّة، ولكن هذه المرّة ليس في الدّاخل اللبناني، بل مع الخارج الذي لن يرحم أحدًَا. فمَن يصل أوًّلا السلام أم القوّة؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير