خاص بوابة بيروت
تتعاقب الفصول الأربعة على الأرض، فتمنحها دورة الحياة والتجدد، لكن التاريخ السياسي لا يسير دائمًا وفق إيقاع الطبيعة. قد تطول مرحلة حتى تبدو نهايتها بعيدة، وقد تبلغ قوة ما ذروة نفوذها قبل أن تواجه تحولات تدفعها إلى مراجعة حساباتها. وبين مرحلة وأخرى، تتغير موازين القوى، وتتبدل الأولويات، وتظهر أسئلة لا تكفي الشعارات وحدها للإجابة عنها.
في مسار «حزب الله»، يمكن استعارة الفصول الأربعة لقراءة التحولات التي رافقت نشأته في ظروف الحرب والاحتلال، واتساع دوره العسكري والسياسي والاجتماعي، ثم تصاعد النقاش حول سلاحه وعلاقته بالدولة ومستقبل دوره في لبنان. أما الفصل الخامس، فهو تصور احتمالي لمستقبل قد تتقدم فيه مؤسسات الدولة، وتتراجع فيه أسباب اللجوء إلى السلاح خارجها، إذا توافرت الظروف والضمانات اللازمة.
الشتاء الأول، النشأة في زمن الحرب
بدأت الحكاية في سياق لبناني شديد الاضطراب، حين اجتاحت القوات الإسرائيلية لبنان عام 1982، وكانت البلاد تعيش الحرب “الداخلية” والانقسامات والتدخلات الخارجية. في تلك البيئة، نشأ «حزب الله» وتبلورت هويته السياسية والعسكرية، مستندًا إلى التعبئة الدينية ومواجهة الاحتلال والدعم الذي تلقاه من النظام في إيران.
لا يمكن فهم نشأة التنظيم بمعزل عن واقع الجنوب اللبناني، حيث عانى السكان الاحتلال والمواجهات الأمنية، وعن ضعف مؤسسات الدولة خلال الحرب. وقد رأى مؤيدو “المقاومة المسلحة” في التنظيم قوة قادرة على مواجهة الاحتلال، فيما ارتبط ظهوره أيضًا بتطورات إقليمية وبالمشروع السياسي الذي تبناه.
لكن ظروف النشأة لا تحسم وحدها طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه التنظيم في مراحل لاحقة. فمع تغير الأوضاع، برز سؤال العلاقة بين المقاومة والدولة، وكيفية الانتقال من مرحلة المواجهة المسلحة إلى صيغة تضمن حماية لبنان وتحدد مرجعية القرار الأمني والعسكري.
الربيع، اتساع النفوذ وأسئلة السيادة
مع مرور السنوات، اتسع حضور «حزب الله» في المجتمع والسياسة والميدان، وتعززت قدراته العسكرية والتنظيمية، وارتبط اسمه بمواجهة الاحتلال، ولا سيما مع انسحاب القوات الإسرائيلية من معظم جنوب لبنان عام 2000.
شكّل الانسحاب محطة مهمة في الذاكرة اللبنانية، وعزز مكانة المقاومة لدى قطاعات واسعة من اللبنانيين. وفي المقابل، استمر النقاش حول مستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، وحدود دوره بعد تغير الظروف التي رافقت نشأة التنظيم.
يرى مؤيدو الاحتفاظ بالسلاح أن التهديدات الإسرائيلية ومخاطر الاعتداءات تبرر استمرار قدرة الردع، فيما يعتبر مؤيدو حصر السلاح بيد الدولة أن تعدد مراكز القرار العسكري يطرح إشكالية تتعلق بالسيادة والمساءلة، وبقدرة المؤسسات الدستورية على إدارة القرارات المصيرية.
ولا يختصر هذا الخلاف المشهد اللبناني كله، كما لا تتطابق مواقف جميع المؤيدين أو المعارضين داخل كل فريق. لكنه يكشف عن تباين في تقدير متطلبات الأمن الوطني، وعن حاجة إلى صيغة توازن بين حماية لبنان، وصون سيادته، وتعزيز الثقة بمؤسساته.
الصيف، ذروة القوة وكلفة الحرب
مثّلت حرب تموز 2006 محطة بارزة في مسار «حزب الله» ولبنان. فقد شهدت مواجهة عسكرية واسعة، وألحقت أضرارًا كبيرة بالبنية التحتية والمناطق السكنية، وخلّفت خسائر بشرية ومادية، وأثارت نقاشًا مستمرًا حول نتائج الحرب وكلفتها والخيارات التي سبقتها.
قرأ مؤيدو «حزب الله» صموده خلال الحرب باعتباره دليلًا على قدرته على مواجهة الجيش الإسرائيلي، فيما ركز منتقدوه على حجم الدمار، وعلى مسألة القرار العسكري وتداعياته على الدولة والمجتمع. وبين القراءتين، بقيت الحاجة قائمة إلى تقييم التجربة من جوانبها العسكرية والسياسية والإنسانية، من دون اختزالها في رواية واحدة.
لاحقًا، تعزز حضور الحزب في النظام السياسي، واستمر الجدل حول استقلال قراره العسكري وعلاقته بالنظام في إيران، ومدى تأثير الحسابات الإقليمية في خياراته اللبنانية. وفي المقابل، بقيت مسألة الردع حاضرة لدى مؤيديه، خصوصًا في ضوء استمرار التوترات والتهديدات على الحدود.
ومع تجدد المواجهات في مراحل لاحقة، عادت قضايا النزوح والدمار وإعادة الإعمار إلى الواجهة، إلى جانب مطالب السكان بالعودة الآمنة إلى قراهم واستعادة حياتهم. وأظهرت هذه التجارب أن النقاش حول القوة العسكرية لا ينفصل عن أسئلة الحماية والاستقرار، وعن قدرة الدولة والمجتمع على تحمل كلفة الحرب والتعافي من آثارها.
الخريف، مراجعة الخيارات وتبدل الظروف
لا يعني الخريف بالضرورة نهاية مرحلة، بل قد يكون موعدًا لإعادة تقييم الخيارات في ضوء المتغيرات. وفي حالة «حزب الله»، تتصل الأسئلة المطروحة بمستقبل سلاحه، وعلاقته بالدولة، ودوره السياسي والاجتماعي، ومدى تأثير التطورات الإقليمية في حساباته.
تتباين المواقف من هذه المسائل. فهناك من يرى أن استمرار التهديدات يفرض الإبقاء على قدرة عسكرية مستقلة، وهناك من يعتبر أن معالجة المخاطر الأمنية على المدى الطويل تتطلب تعزيز دور الدولة وتوحيد مرجعية القرار. وبين الموقفين، تبرز أسئلة عملية حول الضمانات الأمنية، وقدرات الجيش، وشروط الاستقرار على الحدود، ودور المؤسسات في منع تكرار المواجهات.
ولا يمكن افتراض أن جمهور الحزب يتبنى موقفًا واحدًا من هذه القضايا، كما لا يصح اختزال مواقف منتقديه في توجه واحد. فالحسابات الأمنية والسياسية والاجتماعية تختلف بين الأفراد والمناطق والتيارات، وتؤثر فيها التجارب السابقة ومخاوف المستقبل.
ومع طرح مسارات التفاوض والتسويات في المنطقة، يتقدم سؤال إمكان التوصل إلى ترتيبات تحمي لبنان وتراعي حقوقه، وتقلل احتمالات الحرب، وتمنح الدولة دورًا أساسيًا في تنفيذ الالتزامات ومراقبة تطبيقها. لكن نجاح أي مسار يبقى مرتبطًا بمضمونه، وبالضمانات المتاحة، وبمدى قدرة الأطراف المعنية على الالتزام به.
الفصل الخامس، «فصل الانحسار والعبور»
هنا يبدأ فصل لم تحسمه الوقائع، بل تظل ملامحه رهينة الخيارات والتطورات المقبلة.
«فصل الانحسار والعبور» ليس تنبؤًا بنهاية حتمية لـ«حزب الله»، ولا افتراضًا بأن التوازنات الحالية ستتغير تلقائيًا. إنه تصور لمسار محتمل تتراجع فيه الحاجة إلى السلاح خارج الدولة، بالتوازي مع تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على حماية الحدود والمواطنين، وإدارة العلاقات الخارجية، وتحمل مسؤولية القرارات الأمنية والعسكرية.
وقد يتطلب الوصول إلى هذا المسار معالجة المخاوف التي يستند إليها مؤيدو الاحتفاظ بالسلاح، إلى جانب الاستجابة لمطالب حصر القرار العسكري بيد الدولة. ويشمل ذلك تطوير قدرات الجيش، وتعزيز المؤسسات، ووضع ضمانات واضحة لأمن الحدود، وإرساء آليات موثوقة للتعامل مع أي تهديدات، بما يجعل الانتقال إلى ترتيبات أكثر استقرارًا خيارًا قابلًا للتطبيق.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يُطرح السلام بوصفه تنازلًا تلقائيًا عن الحقوق، ولا أن تُعامل الدعوة إليه باعتبارها تجاهلًا للمخاطر الأمنية. كما لا ينبغي أن تتحول المخاوف من الاعتداءات إلى مبرر دائم لتعطيل بناء مؤسسات قادرة على إدارة شؤون البلاد. فالمطلوب هو بحث واقعي في شروط السلام، وحدود الالتزامات، والضمانات التي تحمي لبنان وتضمن احترام سيادته.
كذلك، لا تكفي الاتفاقات المعلنة لضمان استقرار مستدام إذا لم تترافق مع آليات تنفيذ واضحة، وحماية للمدنيين، ومعالجة لأسباب النزاع، ومشاركة فعلية للمجتمعات المتأثرة في القرارات التي تمس حياتها. فالسلام الذي لا يحظى بثقة الناس قد يبقى هشًا، فيما تتيح المؤسسات القادرة والضمانات المتبادلة فرصًا أفضل لاستمراره.
من تعدد مراكز القرار إلى الدولة القادرة والعادلة
في التصور المقترح للفصل الخامس، لا يُقاس النجاح بانتصار فريق لبناني على آخر، بل بقدرة الدولة على حماية مواطنيها وإدارة الخلافات ضمن المؤسسات الدستورية.
تتولى الدولة مسؤولية حماية الحدود، ويؤدي الجيش دوره بوصفه المؤسسة العسكرية الوطنية، وتتحمل الحكومة مسؤوليتها الدستورية في القرارات المتعلقة بالحرب والسلم، فيما يضمن القضاء الحقوق، وتخضع مشاريع الإعمار للشفافية والمساءلة. ويكون لسكان الجنوب، كما لسائر اللبنانيين، الحق في الأمن والعودة إلى منازلهم والمشاركة في تقرير مستقبل مناطقهم.
ولا يتحقق هذا المسار بإقصاء جمهور «حزب الله» أو تجاهل المخاوف التي يحملها، بل بإشراك المواطنين في الحياة السياسية، وضمان المساواة أمام القانون، ومعالجة القضايا الأمنية ضمن إطار الدولة. فبناء السيادة لا يكتمل بمجرد إعلان مبدأ احتكار السلاح، بل يحتاج إلى مؤسسات يثق بها المواطنون ويجدون فيها الحماية والعدالة والقدرة على الاستجابة لحاجاتهم.
وفي المقابل، يتطلب تعزيز الدولة أن تخضع القرارات المصيرية لمرجعيات دستورية واضحة، وأن تكون السياسات الأمنية قابلة للمساءلة، وأن تتوافر آليات تمنع انفراد أي جهة، رسمية كانت أو غير رسمية، بقرارات تعرض البلاد لمخاطر واسعة من دون مسار مؤسسي مسؤول.
قد يكون الانتقال إلى هذه الصيغة تدريجيًا ومعقدًا، وقد تختلف القوى السياسية حول شروطه وتوقيته. لكن النقاش الجدي لا ينبغي أن يبدأ بافتراض الهزيمة أو النصر، بل بتحديد الضمانات المطلوبة، والمسؤوليات الدستورية، والخطوات التي تسمح بتعزيز قدرة الدولة على حماية الجميع.
فالربيع السياسي لا يعني أن يخسر طرف كل شيء، بل أن تتوافر شروط تجعل الأمن حقًا مشتركًا، والخلاف جزءًا من الحياة الديمقراطية، والقرار الوطني مسؤولية المؤسسات. والانتصار الأعمق هو أن يتمكن طفل في الجنوب من الذهاب إلى مدرسته بأمان، وأن تعود العائلات إلى قراها في ظروف مستقرة، وأن يصبح مستقبل لبنان أقل ارتباطًا باحتمالات المواجهة وأكثر ارتباطًا بقدرة الدولة على حماية مواطنيها.
الفصل الخامس، «فصل الانحسار والعبور»، ليس وعدًا بنهاية حُسمت سلفًا، بل دعوة إلى بحث الخيارات التي قد تنقل لبنان من أزمات متكررة إلى استقرار أكثر رسوخًا، ومن تعدد مراكز القرار إلى مرجعية وطنية تحظى بالثقة والمساءلة.
أما معيار النجاح، فلا يقتصر على ما يحققه أي طرف سياسي أو عسكري، بل يشمل ما يستطيع اللبنانيون تحقيقه من أمن وسيادة وحقوق، وما يمكن أن توفره مؤسسات الدولة من حماية وفرص حياة كريمة.
تلك هي الحكاية التي يمكن للفصل الخامس أن يكتبها : عبورًا تدريجيًا من منطق المواجهة إلى إدارة الخلاف، ومن القلق على المصير إلى بناء ضمانات قابلة للاستمرار، ومن تعدد مراكز القرار إلى دولة قادرة على حماية مواطنيها.
وحين تُقيّم التجربة، لن يكون السؤال فقط : من انتصر على من؟ بل أيضًا : ما الذي تحقق من أمن واستقرار، وكم بيتًا أُعيد بناؤه، وكم عائلة عادت إلى قريتها، وما الضمانات التي تجعل الأجيال المقبلة أقل عرضة لتكرار الحرب؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير