نجاح سلام… صوتٌ يسكن الذاكرة، واسمٌ يزهر في شوارع بيروت
في لفتة وفاء، شهدت بيروت إزاحة الستارة عن لوحة شارع يحمل اسم الفنانة الراحلة، برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، ممثَّلاً بعقيلته السيدة سحر بعاصيري سلام، وبحضور ابنة الفنانة وأفراد عائلتها ومحبيها...
خاص بوابة بيروت
لبعض الأصوات قدرة على البقاء معنا، كأنها جزء من البيت الأول؛ نسمعها فتعود وجوه أحببناها، وشرفات مفتوحة على صباحات بيروت، وأيام كان فيها الغناء يجمع الناس حول فرح بسيط. وصوت نجاح سلام من تلك الأصوات التي احتفظت بدفئها في الوجدان، مهما تبدّلت الأزمنة.
وفي لفتة وفاء، شهدت بيروت يوم الجمعة 23 تشرين الأول 2026 إزاحة الستارة عن لوحة شارع يحمل اسم الفنانة الراحلة، برعاية رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، ممثَّلاً بعقيلته السيدة سحر بعاصيري سلام، وبحضور ابنة الفنانة وأفراد عائلتها ومحبيها.
ويقع موقع تدشين الشارع في منطقة المزرعة في بيروت، عند تقاطع نادي التعاضد باتجاه رأس النبع؛ هناك أصبح اسم نجاح سلام علامةً يلتقي بها المارّة في تفاصيل يومهم، وتحيةً دائمة لفنانة حملت من مدينتها صوتاً وصل إلى قلوب بعيدة.
في هذا المشهد، تستعيد بيروت شيئاً من روحها الثقافية، وتمنح أبناءها مناسبة ليتذكروا الجمال الذي خرج منها. فالمدن تحفظ حكاياتها أيضاً بأسماء شوارعها، وبالوجوه التي تختار أن تعرّف الأجيال إليها.
وُلدت نجاح سلام في بيروت عام 1931، ورحلت في 28 أيلول 2023 عن عمر ناهز 92 عاماً، تاركةً إرثاً غنائياً بقي قريباً من الناس. ومن أغنياتها اللبنانية «ميّل يا غزيّل» و«حوّل يا غنّام» و«برهوم»، حمل صوتها روح الفرح ودفء اللهجة اللبنانية، فرافقت أغنياتها البيوت والأعراس واللقاءات، وأصبحت جزءاً من ذاكرتنا الشعبية. في صوتها شيءٌ من حيوية بيروت وألفة القرية اللبنانية، ومن حكايات الحب التي تتناقلها الأجيال بالغناء.
وخلف هذا الصوت، تقف سيرة امرأة كرّست سنوات عمرها لموهبتها، وأسهمت بعملها في صناعة ذاكرة فنية مشتركة. ومن هنا تأتي قيمة تكريمها بالنسبة إليّ: أن نرى أثر المرأة واضحاً في المكان، وأن تجد الفتيات أمامهن أسماء نساء تركن بصمتهن في تاريخ وطنهن.
أتخيّل طفلة تمرّ قرب اللوحة، فتسأل: «من هي نجاح سلام؟». يبدأ الجواب بأغنية، ثم يمتدّ إلى حكاية موهبة وعمل وحضور. وربما تحمل تلك الطفلة معها فكرة صغيرة تكبر بداخلها: أن لصوتها قيمة، وأن لحلمها مكاناً، وأن الإبداع الذي تمنحه للعالم يستحق أن يُسمَع.
ومن موقعي في التوعية وتمكين النساء وبناء السلام، أؤمن بأن هذه التفاصيل تسهم في تشكيل نظرتنا إلى أنفسنا وإلى بعضنا. فحين نمنح إنجازات النساء حضوراً في شوارعنا ومناهجنا ومساحاتنا الثقافية، نوسّع أمام الأجيال معنى المشاركة، ونقدّم أمثلة حيّة على ما تستطيع المرأة أن تضيفه إلى مجتمعها.
ويكتمل هذا الوفاء حين يجد امتداده في حياة المبدعات اليوم: مساحة للتعلّم، ومنبراً لعرض أعمالهن، وفرصة عادلة، وتقديراً يحفظ كرامتهن ويعينهن على الاستمرار. فكم من موهبة تنتظر من يؤمن بها، وكم من فتاة تحتاج إلى كلمة تشجيع وإلى باب يُفتح أمامها.
وللفن مكان عزيز في رؤيتي لثقافة السلام؛ فهو يتيح لنا أن نلتقي عند شعور إنساني مشترك. قد تختلف آراؤنا وتجاربنا، ثم تجمعنا أغنية على حنين واحد. وفي لبنان، نحتاج إلى رعاية هذه المساحات التي تقرّب الناس، وتمنحهم فرصة للفرح واستعادة الألفة.
كل التقدير لمن أسهم في هذا التكريم، ولعائلة نجاح سلام ومحبيها الذين يصونون ذكراها. والأمل أن تتسع مبادرات الوفاء لتحتضن سير نساء أضأن حياتنا في الفن والعلم والتعليم والعمل الإنساني، وأن نحتفي بعطائهن وهنّ بيننا.
في الطريق باتجاه رأس النبع، سيصادف المارّة اسم نجاح سلام. قد يقرؤونه على عجل، وقد يتوقف أحدهم ليتذكّر لحناً، أو يدندن أغنية، أو يروي حكايتها لطفل يمسك بيده.
وهكذا، تواصل المدينة التعريف بإحدى بناتها، ويجد الصوت الذي سكن القلوب عنواناً جديداً في بيروت.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير