شماعة “#السلم_الأهلي” : بين حماية الاستقرار وتبرير العجز…

بقلم ميراز الجندي – خاص بوابة بيروت

@MirazJundi

في كل مرة يهتز فيها الواقع الأمني أو السياسي في لبنان، تتكرر لازمة مألوفة تكاد تتحول إلى خطاب رسمي ثابت: “حماية السلم الأهلي” و”منع الفتنة”. عبارات تُرفع بوجه أي نقاش جدي، وتُستخدم كخط دفاع أول في مواجهة الغضب الشعبي أو المطالب بالمحاسبة.

غير أن الإشكالية لم تعد في المبدأ بحد ذاته فالسلم الأهلي ضرورة وطنية لا نقاش فيها ..بل في كيفية توظيفه وتحويله إلى شماعة تُعلّق عليها مسؤوليات الدولة وتُبرّر بها حالات التقاعس أو التواطؤ.

السلم الأهلي: قيمة أم أداة سياسية؟

لا يمكن لأي عاقل أن يستخف بخطورة الانقسام الأهلي في بلد مثل لبنان، حيث التوازنات الهشة والتاريخ المثقل بالصراعات.

لكن ما يثير القلق هو الاستخدام الانتقائي لهذا المفهوم، بحيث يُستحضر عند الحاجة لاحتواء ردود الفعل، ويُغيب عندما تُرتكب التجاوزات أو تُنتهك هيبة الدولة.

يتحوّل “السلم الأهلي” هنا من قيمة جامعة إلى أداة سياسية تُستخدم لإسكات الأصوات المطالِبة بالإصلاح، أو لتفادي اتخاذ قرارات حاسمة بحق من يخرق القانون. والأسوأ، أن هذا الخطاب غالباً ما يصدر عن نفس الطبقة السياسية التي كرّست المحاصصة والزبائنية، وأسهمت بشكل مباشر في إضعاف مؤسسات الدولة.

الجيش بين الثقة الشعبية وسوء الاستخدام السياسي..

في قلب هذا المشهد، يُزجّ باسم المؤسسة العسكرية كعنصر توازن وضامن للاستقرار. ولا شك أن الجيش اللبناني يحظى بثقة واسعة من اللبنانيين، الذين يرون فيه آخر ما تبقى من رمزية الدولة ووحدتها.

لكن هذه الثقة تتحول أحياناً إلى عبء، حين يُستخدم الجيش كغطاء لتبرير التردد أو الهروب من المسؤولية السياسية.

المطلوب من الجيش واضح: حماية المواطنين، فرض الأمن، وتطبيق القانون… وليس مقبولاً أن يُدفع إلى موقع الدفاع عن قرارات أو سياسات لا يملك قرارها، أو أن يُستخدم كوسيلة لامتصاص الأزمات بدل معالجتها من جذورها.

فالمؤسسة العسكرية لا يمكن أن تكون بديلاً عن دولة فاعلة، ولا شماعة تُعلّق عليها إخفاقات السلطة.

من يحاسب؟ سؤال الدولة الغائب

جوهر الأزمة يكمن في غياب المساءلة. فحين تُرتكب الأخطاء..سواء من مسؤولين مدنيين أو عسكريين..يبقى السؤال معلقاً: من يحاسب؟ وهل تتحول المناصب إلى حصانة غير معلنة تقي أصحابها من أي مساءلة؟

غياب المحاسبة

دولة بلا محاسبة هي دولة تفتقد إلى أحد أهم مقومات الشرعية.

فلا يمكن بناء ثقة بين المواطن ومؤسساته إذا بقي الفساد بلا عقاب، وإذا استمرت التجاوزات دون رادع. إن حماية السلم الأهلي لا تعني حماية الفاسدين، ولا تعني التغاضي عن الأخطاء، بل على العكس: إن العدالة والمحاسبة هما الضمانة الحقيقية للاستقرار.

بين الدولة والمواطن: من يخدم من؟

في الدول الطبيعية، تكون الدولة في خدمة مواطنيها: ترعى شؤونهم، تحمي حقوقهم، وتؤمّن لهم الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار.
أما في الحالة اللبنانية، فيبدو أن المعادلة انقلبت في كثير من الأحيان، حيث يُطلب من المواطن أن يتحمل تبعات الفشل السياسي، وأن يصمت تحت شعار “تفادي الفتنة”.

هذا المنطق لم يعد مقبولاً

فالسلم الأهلي لا يُفرض بالصمت، بل يُبنى على العدالة. والاستقرار لا يتحقق بتأجيل الأزمات، بل بمعالجتها بجرأة وشفافية.

استعادة المعنى الحقيقي للسلم الأهلي

إن حماية السلم الأهلي يجب أن تعود إلى معناها الحقيقي: حماية المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى، عبر دولة قوية، عادلة، وقادرة…

لا عبر شعارات تُستخدم لتجميل العجز أو التغطية على الفساد.

لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الخطابات التحذيرية، بل إلى قرارات واضحة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة.

دولة لا تختبئ خلف جيشها، بل تدعمه.. ولا تستخدم السلم الأهلي كذريعة، بل تجعله نتيجة طبيعية لحكم رشيد ومساءلة حقيقية.

فحين تقوم الدولة بواجبها، لا يعود السلم الأهلي شماعة… بل يصبح واقعاً.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك