
كاتب ومحلل سياسي
شكراً إيران… مبروك الانتصارات!
خاص بوابة بيروت
يُقال إن التاريخ يكتبه المنتصرون، لكن في جغرافيتنا المنكوبة، يكتب التاريخَ المشيعون وتدفعه الشعوب من لحمها الحي. وبين تراجيديا “الانتصارات” الإلهية الوهمية والواقع السريالي الذي تعيشه مجتمعاتنا، تبدو الحقائق عارية، صارخة، وأكثر بلاغة من الفلكلور الخطابي ومهرجانات الساحات.
شكراً إيران… على “النموذج” اللبناني!
شكراً على جنوب لبنان الذي أُهديت له “بركة” التحول الدائم إلى صندوق بريد ساخن، وساحة تصفية حسابات بالوكالة. شكراً على القرى التي استُبدل أمانها وازدهارها بركام، ودفع أهلها من أرزاقهم ومستقبل أبنائهم ثمن صراعات عابرة للحدود لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
شكراً على الضاحية الجنوبية التي أُريد لها أن تقتات على أدبيات الصبر والدمار والنزوح، وعلى أكثر من مليون لبناني تاهوا في وطنهم، يفترشون الطرقات والمدارس، باحثين عن سقف يستر عراء سياسات المغامرة غير المحسوبة.
شكراً على آلاف الضحايا والجرحى والمبتورين، وعلى أجيال طُعنت في وعيها وحُرمت من حقها البديهي في العيش داخل دولة طبيعية، سيدة، مستقلة، لا تبتلعها الدويلات.
شكراً لأنكم حوّلتم لبنان من منارة للثقافة، والانفتاح الاقتصادي، والتميز الاستشفائي والتعليمي، إلى جزيرة معزولة، تتآكل مؤسساتها ويتحلل هيكلها الدستوري تحت وطأة السلاح الفائض عن حاجة الوطن، والغريب عن منطقه.
تغريبة المحور… من بردى إلى دجلة واليمن
وشكراً على سوريا…
سوريا التي جُرّدت من عروبتها وهويتها لتتحول إلى جغرافيا مستباحة، مثقلة بتابوت الموت ومقابر التهجير الجماعي. ملايين الضحايا، مدن كاملة سُويت بالأرض، مجتمع تمزق نسيجه بالكامل، ودولة كاملة السيادة أصبحت مجرد ساحة نفوذ وقاعدة عسكرية متقدمة، والنتيجة: نصرٌ موهوم يجلس فوق تلة من الجماجم والخراب.
وشكراً على العراق…
بلد الحضارات والرافدين الذي استنزفته الميليشيات الولائية المسلحة، وصادرت قراره الوطني لتضعه في جيب الأجندات الإقليمية. شكراً على سرقة أمنه، وتبديد ثرواته الأسطورية، وتقسيم مجتمعه مذهبياً وطائفياً، حتى بات المواطن العراقي غريباً في وطنٍ تنهبه سلطة الفساد المقونن بالسلاح.
وشكراً على اليمن…
اليمن الذي كان “سعيداً” قبل أن تهب عليه رياح “المسيرة الدامية”، ليتحول إلى كبرى المآسي الإنسانية في العصر الحديث. شكراً على الجوع الكافر، والأوبئة، والانهيار التام، حيث بات الموت غاية، والفقر هوية، والرصاص الخيار الوحيد المتاح أمام أطفال لا يعرفون عن الحياة سوى متاريس القتال.
عن أي نصرٍ تتحدثون؟
ومع كل هذا الرماد الذي يكسو المنطقة، يخرج علينا من وسط الركام من يرفع شارة النصر، ويطالبنا بوقاحة يُحسد عليها… أن نصفق!
يطلبون من شعوب مشردة، واقتصادات منهارة، وأوطان مستباحة، وشباب يرمون أنفسهم في قوارب الموت هرباً من “الجنة الموعودة”، أن يخرجوا في مسيرات ابتهاج بالهزيمة المسلّحة بالصواريخ.
إن الانتصار الحقيقي في علم السياسة والاجتماع لا يُقاس بطول المدى الصاروخي، ولا بحجم الحفر الكارثية في المدن، ولا باتساع بقعة النفوذ الميليشيوي.
الانتصار الحقيقي هو دولة قوية لا يعلو صوت فوق صوت قانونها، ومؤسسات تحكمها المواطنة الكفؤة لا موازين القوى الطائفية، واقتصاد يؤمّن كرامة الإنسان، وسلام يحقن دماء الناس بدل تحويلهم إلى حطب رخيص في مواقد الطموحات الإمبراطورية للآخرين.
بعد كل هذا الجحيم الذي عصف ببيروت ودمشق وبغداد وصنعاء، يحق للشعوب المنكوبة أن تسأل بنبرة ملؤها القهر والوعي: ماذا بقي من الأوطان بعد عقود من هذه “الانتصارات”؟
إذا كان هذا الدمار، وهذا الذل، وهذا التشريد هو شكل “النصر” في قاموسكم… فلا عجب، بل ومن المنطقي جداً، أن تبدو الهزيمة التقليدية أقل كلفة بكثير.
شكراً إيران… ومبروك لكم انتصاركم على أوطاننا.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير