تحوّل «الستاتيكو» إلى اختبار ميداني

لا الانسحاب الاسرائيلي وحده سيعيد السيادة إلى الدّولة اللبنانيّة؛ ولا نزع سلاح منظّمة سلاح حزب الله وكلّ سلاح غير شرعي على الأراضي اللبنانيّة وحده سيعيد السيادة أيضًا. لذلك كلّه، الخطير في هذه المرحلة يكمن في تحوّل الميدان إلى ستاتيكو كمحاولة لصناعة تزامن بين مسارين، لا انتصار لأحدهما على الآخر. أمّا الحقيقة فهي في مكان آخر. زمن الرّماديّة ولّى. أبيض أم أسود؟

خاص بوابة بيروت

ممّا لا شكّ فيه أنّ التوتر الدبلوماسي الحالي معطوف على تطوّرات الميدان تعرقل محادثات السلام بين لبنان وإسرائيل، مع التركيز بشكل خاص على أنّ المحاولات الرّفيعة المستوى لحلّ المأزق السائد لا زالت تعمل من خلال الوساطة المباشرة.

وفي هذا السياق بدت لافتة الزيارة الاستراتيجية التي قام بها السفير الأمريكي للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي، وهي خطوة تهدف إلى إعادة تنشيط عملية التفاوض التي تعثرت مؤخّرًا في روما في ظاهرها. ولا يمكن استبعاد أنّ مثل هذه الزّيارات في هكذا لحظات حرجة عسكريًّا، قد تكون بمثابة الإبلاغ أو التّحذير عن تصاعد وتيرة الأحداث وارتداداتها.

وبعيدًا من السياسة، لا يمكن إغفال الأهمية الاستراتيجية للجغرافيا الإقليمية، حيث باتت مرتفعات علي الطاهر، البوابة الحيوية التي تربط بين الأراضي الجنوبية والبقاع الغربي هي الهدف القريب المدى. فيما لم يعد خافيًا أنّ الهدف المتوسّط المدى يكمن في الإجهاز عسكريًّا على ترسانة منظّمة حزب الله، بعدما لمس الاسرائيلي عجز الدّولة اللبنانيّة عن تنفيذ قراراتها السياسيّة.

وهكذا يصبح الهدف البعيد المدى التوصّل إلى اتّفاق مع لبنان بهدف وضع نقطة على سطر هذه الحرب التي كانت سرمديّة. فيما يبقى حتّى الساعة التفاعل بين المواقع العسكرية والمناورات الدبلوماسية في سياقه الصحيح ضمن المشهد الجيوسياسي المتقلب. وبالتّالي لا يمكن ترقّب أيّ شيء جديد بعيدًا من تداعيات الميدان الذي أثبت الإسرائيلي تحكّمه بتفاصيله بواسطة قوّته المفرطة.

فقد تحدثت مصادر إعلامية عن إطلاق طائرتين مسيّرتين مفخختين باتجاه قوات إسرائيلية، أعقب ذلك قصف إسرائيلي لمواقع مرتبطة بـ«حزب الله» قرب النبطية. وهذا ما أعاد إدخال الميدان العسكري لاعبًا مباشرًا في مسار التفاوض، بعد فترة كان التركيز فيها على المسار السياسي والدبلوماسي. وهذا ما يطرح إشكاليّة توقيت هذا الحدث في لحظة باتت فيها طهران في أحرج ظروفها.

عون والرهان على صفقة متوازية

سياسيًا، بدت محاولة جديدة قوامها الانسحاب الإسرائيلي الكامل مقابل استكمال انتقال السيطرة العسكرية إلى الدولة اللبنانية. وهذه المسألة التي لا يمكن أن ترفضها منظّمة حزب الله تحت ذريعة استمرار الاحتلال يبرّر استمرار الصراع مع إسرائيل.

فيما بدا الرئيس جوزاف عون أكثر انفتاحًا على المسارات التي تجنّب لبنان العودة إلى الحرب. حيث تحدّثت معلومات صحافية عن انتظار مقترح أميركي جديد، وعن اتصالات أميركية مع إسرائيل بشأن برنامج قد يقود إلى انسحاب إسرائيلي كامل. ولكن يبقى أنّ الشرط الإسرائيلي الوحيد هو اجتثاث حزب الله من قلب الدّولة اللبنانيّة حيث لم يعد المطلب الإسرائيلي فقط إبعاد حزب الله عن حدودها. وذلك لأنّه اختبر قدرة هذه المنظّمة على إعادة إنتاج ذاتها. لو أنّ الظروف اليوم قد اختلفت من حيث الدّعم والتمويل، تبقى الإرادة أو النيّة موجودة. وهذا ما يخشاه الإسرائيلي حقيقة نتيجة لتجاربه.

لكن بما أنّ هذا المسار لا يزال مبنيًا على وعود واتصالات أكثر منه على اتفاق تنفيذي مكتمل، فمن المبكر اعتبار الانسحاب الإسرائيلي نتيجة محسومة. ويبدو أنّ هكذا صفقة أجهِضَت قبل خطر ولادتها على الاسرائيلي. كما أنّ الانقسام اللبناني حول السلاح والدولة يهدّد بأن يصبح العائق الأكبر أمام أي اتفاق.

هذا الخلاف والانقسام اللبناني يعيد إلى الأذهان تجارب لبنانية سابقة، ولا سيما اتفاق 17 أيار 1983 الذي لم يستطع الصمود لأنّه لم يكن يمتلك الحدّ الأدنى من التوافق الدّاخلي، أو الحدّ الأدنى من قوّة الشرعيّة التي تسمح بقوّة التوازن على تطبيقه.

التصعيد الإقليمي وتداعياته على لبنان

إقليميًّا الحدث الأخطر هو التصعيد الجديد بين الولايات المتحدة وإيران. واشنطن أعلنت انتهاء موجة جديدة من الضربات التي استهدفت منشآت وقدرات عسكرية إيرانية، فيما ردّت طهران باستهدافات مرتبطة بحلفاء الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة. والأهمّ من ذلك كلّه أنّ الرّئيس الأميركي صرّح بأنّه لم يعد معنيًّا بأيّ اتّفاق مع طهران تزامنًا مع تصريح نتانياهو بأنّ قوّاته تعمل بكلّ محرّكاتها لإسقاط النّظام.

يبقى أنّ المسار الإقليمي لن يكون بمنأى عن الساحة اللبنانيّة لأنّ أيّ تصعيد أميركي– إيراني لا يبقى خارجيًّا بالنسبة للساحة اللبنانية، لأن وضع «حزب الله» ومستقبل الجنوب ومسار المفاوضات اللبنانية –الإسرائيلية كلها مرتبطة بدرجات متفاوتة بالصراع الإقليمي الأوسع.

فالمشكلة الجوهريّة لم تعد عسكرية أو تفاوضية فقط، بل أصبحت مشكلة ترتيب سياسي جديد للسلطة ولمفهوم السيادة في لبنان. فالانسحاب الإسرائيلي وحده لن يحسم قضية السلاح، كما أن حسم قضية السلاح وحدها لن يضمن بالضرورة انسحاب إسرائيل. فلا الانسحاب الاسرائيلي وحده سيعيد السيادة إلى الدّولة اللبنانيّة؛ ولا نزع سلاح منظّمة سلاح حزب الله وكلّ سلاح غير شرعي على الأراضي اللبنانيّة وحده سيعيد السيادة أيضًا.

لذلك كلّه، الخطير في هذه المرحلة يكمن في تحوّل الميدان إلى ستاتيكو كمحاولة لصناعة تزامن بين مسارين، لا انتصار لأحدهما على الآخر. أمّا الحقيقة فهي في مكان آخر. زمن الرّماديّة ولّى. أبيض أم أسود؟

شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير

اخترنا لك