حين تتحوّل شعارات “الحق والباطل” إلى أداة تضليل سياسي

بقلم البيروتي – خاص بوابة بيروت

يُظهر التاريخ السياسي أن الركون إلى الشعارات الكبرى، من قبيل “الحق والباطل” أو غيرها من العناوين المطلقة، لا يكون في كثير من الأحيان مجرد تعبيرٍ أخلاقي بريء، بل يتحول إلى أداة تعبئة وتضليل ممنهج.

هذه الشعارات تختزل الواقع المعقّد في ثنائية مبسّطة، خيرٌ مطلق في مواجهة شرٍ مطلق. وبهذا الاختزال يُعطَّل التفكير النقدي وتُلغى المساحات الرمادية التي يعيش فيها الواقع السياسي والاجتماعي.

تكمن قوة هذه الشعارات في قدرتها على مخاطبة العاطفة أكثر من مخاطبة العقل. فعندما يُقنع الإنسان بأنه يقف في صف “الحق المطلق”، يصبح كل سؤال أو مراجعة ضربًا من الخيانة أو الضعف. عندها تتحول الشعارات إلى درعٍ أيديولوجي يحمي السردية السائدة من أي نقد، ويمنح من يرفعها شرعية أخلاقية جاهزة لا تحتاج إلى برهان.

لهذا السبب تلقى هذه الخطابات رواجًا واسعًا لدى المؤمنين بالسرديات المطلقة. فهي تمنحهم شعورًا باليقين والانتماء، وتختصر عليهم عناء فهم التعقيدات الحقيقية للصراع أو الواقع. غير أن المجتمع يدفع في المقابل ثمن هذا التبسيط، لأن السياسات والقرارات التي تُبنى على الشعارات غالبًا ما تتجاهل الوقائع وتغفل النتائج.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في القيم بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى شعارات مغلقة تُستخدم لتجميد التفكير، بدل أن تكون مبادئ حيّة تخضع دائمًا للنقاش والمراجعة في ضوء الواقع.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com