الشرّ المستطير… حين تتحوّل #الحروب إلى صناعة للفوضى

بقلم خلود وتار قاسم
@kholoudwk

دو وكأنّ شرًا مستطيرًا يحوم فوق وطننا الحبيب لبنان، وفوق منطقتنا العربية بأسرها. كأننا نعيش داخل كابوس طويل لا يعرف كيف ينتهي، ولا يظهر في الأفق أي ضوء يدل على نهاية هذا الليل الثقيل.

الفوضى تعمّ أرجاء المعمورة، والدمار والقتل لم يعودا خبرًا بعيدًا نقرأه في الصحف، بل أصبحا مشاهد يومية تقتحم بيوتنا عبر الشاشات. شاشات تلاحقنا في كل مكان: في منازلنا، في هواتفنا، في أماكن عملنا، حتى في لحظات راحتنا.

ومع مرور الوقت لم نعد نقوى على الابتعاد عنها، وكأننا تحوّلنا تدريجيًا إلى مجتمعات “زومبي” تسير منقادة نحو مصير مجهول، تتغذى على الخوف، وتعيش في دوامة من الأخبار والصور التي تستنزف أرواحنا قبل أن تستنزف عقولنا.

منذ اندلاع فصل جديد من الحروب التي يشنّها العدو على بلادنا، وجدت نفسي أقلّص عدد مقالاتي اليومية. ليس لأن الكلمات نفدت، بل لأن الألم أصبح أكبر من أن يُختصر في تعليق سريع.

فكل حرب جديدة لا تزيد الواقع إلا تعقيدًا، ولا تكتفي بسفك الدماء وتدمير الحجر، بل تزرع سمًّا أخطر: سمّ الفتن بين أبناء الشعب الواحد.

هذه الفتن تُزرع بعناية، وتُسقى يوميًا عبر شبكات التواصل الاجتماعي، فتنتشر كالنار في الهشيم. فجأة يتحوّل النقاش إلى صراع، والاختلاف إلى عداوة، والناس إلى معسكرات تتناحر، بينما العدو الحقيقي يراقب المشهد من بعيد، مطمئنًا إلى أن المجتمع بدأ يفتك بنفسه.

وفي ظاهر هذه الحروب تُقدَّم لنا الروايات الكبرى: صراعات أيديولوجية، أو دينية، أو طائفية.

لكن الحقيقة التي تتكشف يومًا بعد يوم هي أن هذه العناوين ليست سوى ستار دخان يخفي خلفه مشاريع هيمنة ونهب وسيطرة.

ففي هذا العالم المختل، لم يعد المجرم يكتفي بالقتل والسرقة والاغتصاب، بل أصبح يمتلك الوقاحة الكاملة ليقنع الضحية بأنها هي السبب.

يقتلك… ثم يقنعك أنك المعتدي. يسرق أرضك… ثم يحدثك عن القانون.

يُهجّرك… ثم يطلب منك أن تشكره لأنه “يحميك”.

الأكثر قسوة في هذه اللعبة ليس الجريمة نفسها، بل محاولة زرع الشك داخل الضحية.

أن يجعلك تشك في نفسك، في حقك، في روايتك، في ذاكرتك، وحتى في إنسانيتك.

وهنا تكمن أخطر أدوات الهيمنة في عصرنا:

ليست فقط القوة العسكرية، بل القدرة على التحكم في الرواية، وفي الصورة، وفي الوعي الجمعي للشعوب.

لكن رغم كل هذا الظلام، تبقى هناك حقيقة بسيطة قد تكون الطريق الوحيد للخلاص:

أن ندرك أن انقسامنا هو السلاح الذي يُستخدم ضدنا، وأن قوتنا الوحيدة المتبقية هي الوقوف إلى جانب بعضنا البعض.

ففي زمن الفوضى، يصبح التضامن فعل مقاومة.

وفي زمن التشكيك، يصبح التمسك بالحقيقة فعل شجاعة.

وفي زمن الكراهية، يصبح التمسك بإنسانيتنا آخر خط دفاع عن وجودنا.

ربما لا نستطيع أن نوقف الحروب الكبرى التي تُدار في غرف القرار العالمية، لكننا نستطيع أن نمنع انتصارها الكامل داخل مجتمعاتنا.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نخسر أرضًا أو معركة… بل أن نخسر ثقتنا ببعضنا البعض وعندها فقط ينتصر الشر المستطير فعلًا.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com