خاص بوابة بيروت

كاتب وناشط سياسي
يمرّ هذا العام الرابع عشر من آذار مثقلاً بظلال حربٍ إقليمية أُقحم فيها لبنان، حرب جرّنا إليها حزبٌ أراد أن يثبت أنّه الوحيد القادر على حماية الوطن. لكن ما حدث في الواقع هو أنّ هذا الحزب أدخل لبنان في أتون حروب الآخرين على أرضه، وجعل البلاد ساحة لصراعات إقليمية لا علاقة لها بمصلحة الدولة اللبنانية ولا بمستقبل شعبها.
لقد كان ١٤ آذار محطة تاريخية في حياة اللبنانيين. ففي مثل هذا اليوم خرج مئات الآلاف إلى الشوارع مطالبين بالحرية والسيادة والاستقلال، رافضين الوصاية السورية على لبنان وكل ما مثّلته من قمع وتدخل في شؤون الدولة. كان ذلك الحراك الشعبي تعبيراً صادقاً عن إرادة شعبٍ قرر أن يستعيد دولته وكرامته بعد سنوات طويلة من الهيمنة.
وجاءت تلك الانتفاضة الشعبية بعد الجريمة التي هزّت لبنان والعالم: اغتيال شهيد لبنان الرئيس رفيق الحريري. لقد اعتبر كثير من اللبنانيين أن هذه الجريمة لم تكن حدثاً معزولاً، بل جزءاً من مشروع سياسي أراد إسكات صوتٍ وطني طالب بسيادة لبنان واستقلال قراره. وقد وجّهت أصابع الاتهام يومها إلى النظام السوري وإلى الجهات المتحالفة معه داخل لبنان، وفي مقدمتها حزب الله، ضمن شبكة نفوذ إقليمية مرتبطة بالنظام الإيراني.
لقد شكّل اغتيال رفيق الحريري الشرارة التي أيقظت ضمير اللبنانيين، فخرجوا إلى الساحات بعد شهر من استشهاده ليقولوا إن لبنان لا يمكن أن يبقى رهينة الاغتيالات والوصايات والقرارات التي تُفرض عليه من الخارج. وكان مشهد الرابع عشر من آذار تجسيداً لوحدة اللبنانيين حول مطلب واحد: قيام دولة حرة سيدة مستقلة.
واليوم، بعد واحدٍ وعشرين عاماً على تلك الذكرى، ما زال لبنان يعاني الكثير من الأزمات التي حذّر منها أبناء انتفاضة ١٤ آذار. فما زالت الدولة ضعيفة أمام السلاح الخارج عن إطارها، وما زال اللبنانيون يدفعون ثمن سياسات إقليمية وصراعات تُدار على أرضهم.
ومع ذلك يبقى الأمل قائماً. فالتاريخ يعلّمنا أن الأنظمة التي تقوم على القمع والهيمنة لا تدوم، وأن إرادة الشعوب في النهاية هي التي تنتصر. وربما نشهد في السنوات المقبلة تحولات كبيرة تضع حداً لمرحلة طويلة من الصراعات، وتفتح الباب أمام شرق أوسط يقوم على السلام الحقيقي والتنافس الاقتصادي واحترام القانون وبناء دولة عادلة يكون فيها المواطن هو الأساس.
فهل سنشهد قريباً نهاية زمن البؤس وبداية مرحلة جديدة من السلام والاستقرار والازدهار؟ الله وحده يعلم، لكن تبقى ذكرى ١٤ آذار عنواناً لإرادة شعبٍ رفض الخضوع وتمسّك بحلمه بوطنٍ حر سيد مستقل.
رحم الله شهيد لبنان الرئيس رفيق الحريري، ورحم معه جميع شهداء ١٤ آذار، الأموات منهم والأحياء، الذين ناضلوا من أجل لبنان الذي نحلم به جميعاً.