
مدير التحرير
مسرحيّة هدوء نسبي
خاص بوابة بيروت
سرعة التطوّرات تكاد لا تضاهيها سرعة الطائرات التي ما زالت حذرة من بناء هدنة الضرورة بهدف تحقيق شروط الإخضاع. والمفاوضات حتى الساعة لا زالت تحت النّار ولا سيّما أنّ الميدان في الجنوب ما زال عرضة لجنازير ومسامير جرّافات “الـ D9” التي تبدو وكأنّها بصدد رسم تضاريس جديدة للمرحلة المقبلة.
فيما الحكومة اللبنانية تسعى لانتزاع وقفًا لإطلاق النّار بنكهة سياديّة تضاف إلى الطبق التفاوضي الذي لم يعرَف بعد إذا ما كان سيشهد جزءًا ثانيًا، أم أنّه اختتم كفيلم تجريبيّ قصير؟
مستوى التفاوض دليل على مداه
صحيح أنّ الحرب الإقليميّة تتدحرج تباعًا ولكنّ مايسترو السمفونيّة الكبرى يلعب على أوتار المفاوضات التي يبدو لبنان فيها كومبرسًا في مسرحيّة الهدوء النّسبي، فيما الإسرائيلي يتطلّع إلى لعب أدوار البطولة بالشراكة مع المخرج الأميركي. كما يتمّ تهيئة الصالة التي قد تغصّ بالجماهير العربيّة والصينيّة والرّوسيّة والأوروبيّة وحتّى بعض مقاعدها التي قد تبقى شاغرة يتلهّف بعض الجمهور الكوري الشمالي لملئها.
لكنّ سيناريوهات هذه المسرحيّة لا زالت ضبابيّة من حيث المكان. فهل سيكون المسرح في واشنطن؟ أم يتمّ البحث عن مسرح حياديٍّ ناشطٍ على قدر طموحات بكركي التي لم تستكمَل؟ هل ستكون هذه المسرحيّة بشخصيّات رئيسيّة للعب أدوار البطولة؟ أم أنّ أبطالها سيكونون من الكومبارس لاستكمال المشهديّة المسرحيّة فقط على أن يعود كلّ لاعب إلى ميدانه؟
ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا التفاوض الذي يبقى حتّى الآن ممسرحًا سيبقى رهنًا في تحديد مستواه التمثيلي للتثبّت من مدى جدّيّته وفعاليّته.
هدنة حسن النوايا أم اختبار شروط؟
على وقع تغيير معالم الجغرافيا في الجنوب لكتابة تاريخ جديد، أصبح طرفا النّزاع في غرفة امتحان لاختبار نواياهم، ولا سيّما الطرف اللبناني الذي أثبت الميدان وهن منظّمة “حزب الله” وأسقط أسطرة وهن بيت العنكبوت الإسرائيلي من ملعب الانتصار المسحوق في مدينة بنت جبيل.
وهذا ما سيكشف النوايا الفعليّة في مسرحيّة الهدوء النسبي التي يتمّ تحضير خشبة مسرحها في مكان لم يعرف أين حتّى الساعة.
ولعلّ هذا الامتحان الذي تخضع له الحكومة اللبنانيّة من جهة، وشوكتها غير الشرعيّة، أي منظمة “حزب الله” من جهة أخرى، محاولة لفتح كوّة في جدار الديبلوماسيّة الصلبة التي يقودها المخرج الأميركي.
مقابل ذلك، أفادت مصادر في الإعلام أنّ الهدوء النسبي الذي يلوّح به الإسرائيلي إنّما هو شَرْكٌ جديد لانتزاع تنازلات جديدة تحت وقع نتائج الميدان بهدف إعادة ترتيب أمني في منطقة جنوب الليطاني. ومَن يعرف أين حدود توقّف هذه الترتيبات الأمنيّة، ولا سيّما أن مفرقعات المستودعات التفجيريّة طارت من النبطيّة إلى ساحل صيدا !
ولعلّ هذا ما يكشف حقيقة السعي إلى تحقيق معادلة السلام الاستراتيجي المستدام في مقابل تفكيك جذريّ لمنظومات الدفاع غير الشرعيّة التي شرّعها الاحتلالان السوري المباشر والإيراني غير المباشر.
ومن المؤكّد أنّ الإسرائيلي لا يبحث إطلاقًا في العودة إلى الـ1701 المجمّد المفاعيل، بل سعيه واضح في إعادة تعريف مفهوم ومدى تنفيذ الدولة اللبنانيّة قراراتها السياسيّة بمؤسّساتها التنفيذيّة وإلّا قد نكون أمام مؤسّسات تنفيذيّة أجنبيّة تحت مسمّى بند سابع أو أكثر. مَن يعرف؟
هل نظريّة إعادة تشكيل الكيان اللبناني مطروحة؟ أم هي الهدف البعيد؟
هذا الهدوء النّسبي ليس سوى انتظارًا قلقًا لنتائج اختبار القوة الدائر في الجنوب. وأمثولات التاريخ علّمتنا في الماضي القريب أن أخطر ما في الحروب ليس حشرجتها، بل تلك الشروط التي يُحاك بساط السلام في أعقابها.
فما يُحسم على خطوط النار غالبًا ما يُترجم لاحقًا في نصوص الاتفاقات التي تكتب في صالات المسارح الفارغة من الجماهير والمغلقة بين مخرِجٍ ومنتِجٍ يبحثان عن استثمارات جديدة. ولعلّ هذا ما قد يجعل معضلتنا اللبنانيّة وجوديّة وليست تقنيّة وحسب.
وهذا ما يحتّم القضاء على تلك الثلاثيّة الخشبيّة، وسط عدم رضى أميركي واضح عن قادة الرّكن الأوّل منها، واشمئزاز من تخاذل ركنها الثاني. ليتمّ إعادة تشكيل الكيان بين محور يكابد للرّدع الساقط وآخر يسعى إلى ضرب آخر معاقله في دولة مركزيّة حوّلها إلى عميقة لخدمته. هل يولد لبنان جديد؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير