الجغرافيا الاقتصادية تحت النار : الصواريخ ترسم مستقبل التجارة
بقلم د. بلال عدنان علامة – خاص بوابة بيروت
سياقُ التصعيد المستمر في آسيا والشرق الأوسط يكشف أن المواجهة العسكرية بين إيران وشبكة حلفائها الإقليميين في لبنان والعراق واليمن وسوريا، من جهة، وبين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهةٍ أخرى، باتت أقرب إلى نموذج حربٍ على الجغرافيا الاقتصادية، منها إلى حربٍ تقليدية. فهذه الأطراف لا تتنافس فقط على السيطرة العسكرية، بل على القدرة على التأثير في عقد الربط الحيوية التي تنظم حركة التجارة والطاقة عبر المنطقة، سواء كانت بحريةً أو برية.
سياسات إيران السابقة، عبر أذرعها، اعتمدت على استراتيجية “الانتشار الجغرافي غير المباشر”، حيث لم تسعَ إلى إغلاق الممرات الحيوية بشكلٍ دائم، بل إلى امتلاك القدرة على تهديدها عند الحاجة. من مضيق هرمز إلى باب المندب، إلى الممر الهندي الخليجي الذي لم يُبصر النور بعد، مرورًا بالساحات البرية في العراق وسوريا ولبنان، تعمل هذه الشبكة على خلق حالةٍ من “اللايقين الجيو اقتصادي”، تجعل تدفقات الطاقة والتجارة عرضةً للضغط السياسي. هذا التأثير لا يقتصر على البحر، بل يمتد إلى البر، حيث تتيح السيطرة غير المباشرة على طرق النقل والمعابر الحدودية التأثير في أي مشروعٍ يهدف إلى ربط آسيا بأوروبا عبر الشرق الأوسط.
في المقابل، تتحرك الولايات المتحدة ضمن رؤيةٍ أوسع تهدف إلى إدارة هذه الجغرافيا الاقتصادية عبر التحكم بها لا عبر تدميرها. إدراكها أن استقرار الممرات البحرية، خصوصًا هرمز وباب المندب، يشكّل شرطًا أساسيًا لاستمرار النظام التجاري العالمي، يدفعها في الوقت نفسه إلى تطوير ممراتٍ برية بديلة تربط بين آسيا وأوروبا عبر الخليج والشرق الأوسط، بما يقلل من الاعتماد الحصري على المسارات البحرية المعرّضة للتهديد. هذه الممرات البرية ليست مجرد مشاريع بنيةٍ تحتية، بل أدوات استراتيجية لإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي وتقليص قدرة الخصوم على التعطيل.
“إسرائيل” تتعامل مع هذه الجغرافيا من زاويةٍ مزدوجة، أمنية واقتصادية. ترى في انتشار النفوذ الإيراني تهديدًا مباشرًا يتطلب ضرباتٍ استباقيةً مستمرة، خصوصًا في سوريا ولبنان، لكنها تدرك أيضًا أن موقعها يمكن أن يتحول إلى نقطة ارتكازٍ في الممرات البرية والبحرية التي تربط آسيا بأوروبا. من هنا، يصبح تقليص نفوذ إيران شرطًا ليس فقط للأمن، بل للاندماج في شبكات النقل والتجارة الإقليمية التي يُعاد تشكيلها.
الصراع هنا يتخذ طابعًا أكثر تعقيدًا. إيران وأذرعها تراهن على القدرة على التعطيل، سواء عبر تهديد الممرات البحرية أو التأثير في المسارات البرية، بينما تراهن الولايات المتحدة على ضمان استمرارية هذه الممرات وتعددها عبر خلق بدائل تقلل من هشاشة النظام التجاري. وتسعى “إسرائيل”، بدورها، إلى إعادة تشكيل بيئتها الجيوسياسية بما يسمح لها بأن تكون جزءًا فاعلًا في هذه الشبكات.
هذه الدينامية تخلق مفارقةً حادة. فكلما تعددت الممرات، بحريةً وبرية، لم ينخفض مستوى المخاطر بالضرورة، بل ازداد عدد النقاط القابلة للتوتر. الممرات البرية تمر عبر مناطق نزاع ودولٍ تتسم أنظمتها بالهشاشة السياسية، تمامًا كما تمر الممرات البحرية عبر نقاط اختناقٍ استراتيجية. هذا يعني أن توسيع شبكة الربط لا يلغي المخاطر، بل يعيد توزيعها جغرافيًا.
في النهاية، لا يمكن فهم هذه المواجهة بمعزلٍ عن بعدها الاقتصادي العميق. الحرب الدائرة، بشكلها المباشر وغير المباشر، هي صراعٌ على من يمتلك القدرة على التحكم في تدفق التجارة والطاقة، وعلى من يفرض قواعد الربط بين القارات. وبين استراتيجية التعطيل التي تعتمدها إيران، واستراتيجية التحكم وإعادة التشكيل التي تقودها الولايات المتحدة، والطموح “الإسرائيلي” للتموضع داخل هذه الشبكات، تبقى الجغرافيا الاقتصادية، بممراتها البحرية والبرية، هي الساحة الحقيقية التي يُحسم فيها ميزان القوة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير