العفو العام في لبنان : عدالة انتقائية أم تسوية على حساب السنّة؟
بقلم قمر رشيد – خاص بوابة بيروت
منذ إقرار قانون العفو العام عام 1991، لم تُطوَ صفحة الحرب الأهلية بقدر ما فُتح بابٌ واسع للإفلات من العقاب. جرائم كبرى، من خطفٍ وقتلٍ وقصف أحياءٍ سكنية، أُغلقت بقرارٍ سياسي لا بحكمٍ قضائي. ومع الوقت، تحوّل بعض من ارتكبوا تلك الجرائم إلى جزءٍ من السلطة نفسها، يشرّعون القوانين ويتحكّمون بمسار العدالة.
اليوم، يُعاد طرح العفو العام، والمفارقة التي تلامس حدود الفضيحة أن هؤلاء أنفسهم يرفضون أي صيغةٍ قد تشمل موقوفين بملفاتٍ مفبركة، لا ترقى حتى إلى جزءٍ بسيط مما ارتكبوه هم. هنا، لا يعود النقاش قانونيًا، بل يصبح أخلاقيًا بامتياز: من يملك حق منح العفو؟ ومن يحدّد من يستحقه؟
اللافت، والخطير في آن، أن العفو الذي طالبت به لسنوات عائلات ومناصرو الموقوفين الإسلاميين، بدأ، بعد دخوله أروقة البرلمان، يتحوّل تدريجيًا إلى مشروعٍ لا يشملهم. وكأننا أمام معادلةٍ مقلوبة: عفوٌ عام للجميع، إلا من طالب به أصلًا.
هناك موقوفون أمضوا سنواتٍ طويلة دون محاكماتٍ حاسمة، وبعضهم بملفاتٍ تعرّضت لانتقاداتٍ جدّية من حيث الأدلة والإجراءات. وفي وقتٍ سلكت فيه ملفاتٌ أخرى مساراتٍ أسرع، سواء عبر المحاكمات أو التسويات، بقي هؤلاء في دائرة الانتظار.
الأكثر إيلامًا أن جزءًا من هذه الملفات ارتبط بسياقٍ إقليمي معروف، وتحديدًا المرحلة التي كان فيها نظام بشار الأسد لاعبًا أساسيًا في رسم المسارات الأمنية والسياسية. اليوم، وقد سقط هذا النظام وتغيّرت المعادلات، لا يزال هؤلاء الموقوفون في السجون، وكأن شيئًا لم يتبدّل، وكأن الزمن توقّف عندهم وحدهم.
في هذا السياق، لم يعد الشعور بالظلم مجرد انطباع، بل يتعزّز لدى شريحةٍ واسعة من السنّة بأن ما يجري هو تسويةٌ سياسية تُدار على حسابهم، خصوصًا مع الحديث عن شمول فئاتٍ أخرى بالعفو مقابل استثناء هذا الملف تحديدًا.
لكن الأخطر ليس فقط في ما يُحاك داخل اللجان، بل في ما يغيب خارجها.
صمت القيادات السياسية السنية لم يعد يُفسَّر كحياد، بل كعجزٍ أو تقصيرٍ في تحمّل المسؤولية. فملفٌّ بهذا الحجم، وبهذا البعد الإنساني والقانوني، كان يفترض أن يكون في صلب أولوياتهم، لا على هامش حساباتهم.
أين هذا الصوت اليوم؟
وأين الضغط السياسي المطلوب لفرض مقاربةٍ عادلة لا تستثني أبناء بيئتهم؟
ترك هذا الملف يتقدّم بهذه الصيغة، دون مواجهةٍ جدّية، يضع علامات استفهامٍ كبيرة حول دور التمثيل السياسي، وحدود قدرته أو إرادته في حماية حقوق من يُفترض أنه يمثّلهم.
المعلومات المسرّبة من داخل اللجان النيابية لا تطمئن. فالمسار الحالي يوحي بأن القانون قد يشمل فئاتٍ محددة بناءً على توازناتٍ سياسية: عملاء تطالب بهم كتل، وتجار مخدرات تدفع باتجاه شمولهم كتل أخرى، فيما يُخشى أن يُستثنى الموقوفون الإسلاميون، ومعهم مشايخ وعلماء، رغم سنواتٍ من المطالبة بإعادة النظر بملفاتهم.
هنا، لا يعود النقاش تقنيًا أو قانونيًا، بل يصبح سؤالًا مباشرًا عن العدالة نفسها:
هل يُعقل أن يُعاد إنتاج العفو أداةَ محاصصة؟
وهل نحن أمام تسويةٍ جديدة، لكن هذه المرّة على حساب فئةٍ دون أخرى؟
الطرح القائم اليوم، إن صحّ، يعني ببساطة خلطًا خطيرًا بين العدالة والسياسة. يعني تبييض صفحاتٍ على حساب أخرى، وإقفال ملفاتٍ قبل أن تُفتح أصلًا، وهو ما يعزّز الشكوك حول استقلالية القضاء، خصوصًا في ظل تاريخٍ من الأحكام المثيرة للجدل، والاتهامات بتسيس بعض الملفات.
لبنان لا يحتاج إلى عفوٍ عام يُفصَّل على قياس القوى النافذة، بل إلى مسار عدالةٍ واضح:
- قضاءٌ مستقل لا يخضع لأي نفوذ،
- محاكماتٌ شفافة وسريعة،
- إطلاق سراح كل من تثبت براءته،
- ومحاسبة كل من تثبت إدانته بلا استثناءات.
كما أن أي حديثٍ عن عدالة يبقى ناقصًا دون مساءلة من أساء استخدام القضاء، لأن القاضي الذي يظلم لا يقل خطرًا عن المجرم الذي يُفلت من العقاب.
اليوم، ومع اقتراب اللجان من إنهاء صياغة القانون، يصبح النقاش أكثر إلحاحًا. فإقرار عفوٍ لا يعالج مكامن الخلل، بل يكرّسها، لن يكون حلًا، بل إعادة تدويرٍ للأزمة.
العدالة لا تُبنى على الاستثناء، ولا تُختصر بتسويات.
وأي عفوٍ لا يشمل المظلومين، هو ظلمٌ جديد باسم القانون.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير