
كاتب ومحلل سياسي
الإحتلال المالي : المنظومة تموّل “حزب الله” من جيوب اللبنانيين
خاص بوابة بيروت
لم يعد توصيف ما يجري في لبنان يحتمل التلطيف أو الاحتماء بالمصطلحات الرمادية. نحن أمام منظومةٍ ذات بنية تشغيلية واضحة، تُحوِّل الخزينة العامة إلى ذراع تمويلٍ مباشر لبنيةٍ مسلّحة تعمل خارج الشرعية الدستورية، وتناقض مبدأ احتكار الدولة للقوة. هذا ليس هدرًا ولا سوء إدارة، بل نظامٌ تمويلي موازٍ يرقى، في تكييفه القانوني، إلى الاستيلاء المنظّم على المال العام بقصد تقويض الكيان السيادي.
أولًا: تزوير الصفة والاعتداء على الشرعية العسكرية
تُظهر الوقائع المالية نمطًا متكررًا من صرف تعويضاتٍ ومخصصات تحت توصيفاتٍ مضلِّلة، تمنح غطاءً “شرعيًا” لأفراد سقطوا في نزاعاتٍ لا تمتّ بصلةٍ للمهام السيادية للدولة اللبنانية. هذا السلوك يشكّل، من منظورٍ قانوني صارم:
- تزويرًا في توصيف الصفة الوظيفية
- انتحالًا لصفةٍ عسكرية غير مستحقة
- اعتداءً مباشرًا على العقيدة القتالية للمؤسسة العسكرية
بأي سندٍ قانوني تُساوي السلطة بين جنديٍ نظامي يعمل ضمن تسلسلٍ قيادي دستوري، وبين مقاتلٍ عابرٍ للحدود يعمل وفق أجندةٍ موازية؟ ما يجري ليس مجرد انحرافٍ مالي، بل إعادة تعريفٍ قسرية لمفهوم “الشهيد الرسمي” بما يخدم بنيةً خارجة عن الدولة، ويحوّل الموازنة الدفاعية إلى أداة شرعنةٍ لواقعٍ موازٍ.
ثانيًا: “جيش الأشباح”… بنية ريعية لشراء الولاءات
تكشف بيانات الملاك الإداري عن تضخمٍ غير مبرّر في أعداد الموظفين، حيث تقيم آلاف الأسماء في جداول الرواتب دون حضورٍ فعلي أو إنتاجيةٍ قابلة للقياس. هذا الواقع يؤسس لـ:
- نظام رواتب ريعي قائم على تبادل المنفعة مقابل الولاء السياسي أو الأمني
- استخدام الوظيفة العامة كأداة ضبطٍ اجتماعي
النتيجة استنزافٌ للإنفاق الجاري، وتقويضٌ لمبدأ تكافؤ الفرص، ومعاقبة الموظف المنتج لصالح شبكةٍ زبائنية مرتبطة بمراكز نفوذ.
ثالثًا: الإنفاق الرمادي… قنوات تمويل خارج المساءلة
تُضخ اعتمادات مالية كبيرة عبر بنودٍ فضفاضة تحت مسميات “مساعدات” و”برامج دعم”، دون معايير واضحة للتوزيع. هذه البنود تشكّل عمليًا ممراتٍ مالية رمادية تُستخدم لإعادة توجيه الموارد العامة نحو بيئاتٍ محددة سياسيًا.
هنا، لا تعود الدولة مجرد مقصّر، بل تتحوّل إلى مموّلٍ قسري لمنظوماتٍ تناقضها بنيويًا، في خرقٍ مباشر لمبدأ وحدة الموازنة وشفافية الصرف.
رابعًا: اغتيال الرقابة… حين يصبح الصمت شراكة
استمرار هذا النمط التمويني لا يمكن تفسيره إلا بوجود تعطيلٍ ممنهج لأجهزة الرقابة. غياب الفعل لدى الجهات المختصة يرقى إلى الامتناع عن أداء واجبٍ قانوني، وتوفير غطاءٍ ضمني لمخالفاتٍ مالية مركّبة.
السؤال الجوهري هنا ليس: أين المخالفة؟ بل: من يعطّل المحاسبة حين تتقاطع السياسة مع السلاح؟
خامسًا: التكييف القانوني… بنية مخالفة متكاملة
عند تجميع العناصر، من تزوير الصفة إلى الوظائف الوهمية، والإنفاق الرمادي وتعطيل الرقابة، نكون أمام بنيةٍ متكاملة تتوافر فيها مؤشرات خطيرة على الاستيلاء على المال العام وسوء استعمال السلطة.
التمويل هو اعتراف بالتبعية
استمرار تدفق الأموال العامة في هذه القنوات ليس خطأً سياسيًا، بل إقرارٌ فعلي بازدواجية السلطة. لا يمكن الحديث عن إصلاحٍ مالي أو تعافٍ اقتصادي في ظل وجود ثقوبٍ مالية سوداء تبتلع الموارد قبل أن تصل إلى الدولة الفعلية.
التمويل هنا هو فعلٌ سيادي معكوس، الدولة تموّل نقيضها.
المقتضيات الفورية:
- إطلاق تدقيقٍ جنائي شامل في جداول الرواتب والتعويضات
- إعادة هيكلة الملاك الوظيفي عبر أنظمة تحققٍ بيومترية
- تجريم صريح لأي صرفٍ مالي خارج إطار المهام المحددة قانونًا
- تفعيل فوري ومستقل لأجهزة الرقابة مع صلاحيات إحالةٍ مباشرة للقضاء
أخيرًا، تحرير المال العام ليس بندًا إصلاحيًا، بل هو الشرط الأولي لاستعادة الدولة. وكل ليرةٍ تُدفع خارج هذا الإطار ليست إنفاقًا، بل خطوة إضافية في مسار الانهيار الوطني.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير