إلى أين يتجه التصعيد بين إيران وإسرائيل؟

بين حفظ ماء الوجه والحرب الكبرى

بقلم د. أنيس راشد – خاص بوابة بيروت

تشهد المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات، مع تصاعد المواجهة بين إيران وإسرائيل واتساع دائرة التوتر التي تشمل لبنان والعراق وسوريا والبحر الأحمر. وبين التصريحات النارية والحشود العسكرية والضربات المتبادلة، يبرز السؤال الذي يشغل العواصم الإقليمية والدولية: هل نحن أمام حرب شاملة أم أمام جولة جديدة من الصراع المنضبط؟

عند قراءة موازين القوى والمصالح الدولية، يبدو أن جميع الأطراف تدرك أن الحرب الكبرى ستكون مكلفة إلى درجة قد تجعل المنتصر فيها خاسرًا أيضًا. فإسرائيل، رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي، تدرك أن حربًا طويلة مع إيران وحلفائها ستستنزف اقتصادها وأمنها الداخلي. وإيران، رغم قدرتها على إيلام خصومها وإطالة أمد المواجهة، تعرف أن الدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد يهدد ركائز النظام نفسه.

لذلك يبدو السيناريو الأول الأكثر ترجيحًا، وهو أن تتوقف الأمور عند حدود الضربات المتبادلة التي تسمح لكل طرف بإعلان الانتصار أمام جمهوره الداخلي. إيران تحتاج إلى إظهار قدرتها على الرد وعدم الخضوع، فيما تحتاج إسرائيل إلى إظهار أنها ما زالت صاحبة اليد العليا في المنطقة. وفي خلفية المشهد تعمل واشنطن على تحويل الإنجازات العسكرية الإسرائيلية إلى مكاسب سياسية، خصوصاً في الملف النووي الإيراني.

في هذا السيناريو، قد نشهد مفاوضات شاقة تتجاوز مجرد تخصيب اليورانيوم لتشمل البرنامج الصاروخي الإيراني ودور طهران الإقليمي وعلاقة أذرعها العسكرية بالقرار الإيراني. كما قد يصبح الملف اللبناني جزءاً من أي تسوية أوسع، خصوصًا في ظل الضغوط الدولية المتزايدة لإعادة ترتيب الوضع الأمني على الحدود الجنوبية.

أما السيناريو الثاني، فيقوم على رد إسرائيلي أقوى لكنه يبقى ضمن حدود محسوبة، تتبعه ردود إيرانية مماثلة، قبل أن تتدخل القوى الدولية لفرض مسار تفاوضي جديد. وهذا السيناريو يبقى ممكنًا إذا شعرت إسرائيل بأنها بحاجة إلى تعزيز الردع دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.

السيناريو الثالث، وهو الأخطر، يتمثل في فقدان السيطرة على مسار الأحداث. ضربة كبيرة تؤدي إلى رد أكبر، ثم إلى تدخل أميركي مباشر، لتتحول المنطقة إلى ساحة حرب إقليمية واسعة.

غير أن هذا الاحتمال يبقى الأقل ترجيحًا، ليس بسبب غياب القدرة العسكرية، بل لأن كلفته السياسية والاقتصادية والعسكرية ستكون هائلة على جميع الأطراف. كما أن استخدام أسلحة غير تقليدية أو نووية يبقى احتمالاً بعيداً جداً نظراً للتداعيات الدولية غير المسبوقة التي قد تترتب عليه.

في المحصلة، يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام معادلة دقيقة: تصعيد محسوب بهدف تحسين شروط التفاوض وليس بهدف خوض حرب وجودية. الجميع يلوح بالقوة، لكن الجميع يبحث في الوقت نفسه عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه ويمنع الانفجار الكبير.

لهذا السبب، يبقى السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار الضغوط العسكرية المتبادلة لفترة محدودة، يتبعها انتقال تدريجي نحو طاولة المفاوضات، حيث ستُحسم الملفات التي عجزت الصواريخ والطائرات عن حسمها.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك