تفاهم واشنطن و طهران : هدنة خارجية أم بداية اهتزاز داخلي وإقليمي؟
بقلم مهدي رضا – خاص بوابة بيروت
لا يمكن قراءة مذكرة التفاهم التي دخلت حيّز التنفيذ بين الولايات المتحدة ونظام طهران بوصفها مجرد ترتيب مؤقت لخفض التصعيد. فهي، في جوهرها، تكشف لحظة اضطرار سياسي لدى النظام الإيراني، الذي وجد نفسه أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في التصعيد وما يحمله من كلفة عسكرية واقتصادية، أو القبول بهدنة مؤقتة تقيّد يده وتكشف حدود قدرته على المناورة.
داخلياً، تمثل هذه المذكرة ضربة مزدوجة لصورة النظام. فمن جهة، سيحاول الإعلام الرسمي تقديمها بوصفها نتيجة “الصمود” و”فرض الشروط”، ومن جهة أخرى، يعرف الجناح المتشدد داخل النظام أن مجرد الدخول في تفاهم مع واشنطن يعني تراجعاً عملياً عن خطاب استمر لعقود. لذلك تصاعدت الهجمات على عباس عراقجي ومحمدباقر قاليباف، وبدأت أجنحة النظام تبحث عمّن يتحمل كلفة هذا التراجع. المشكلة الحقيقية أن القرار لا يمكن فصله عن مركز السلطة العليا، ولهذا فإن محاولات إبعاد مجتبى خامنئي عن مسؤولية المسار التفاوضي لن تلغي حقيقة أن التفاهم لم يكن ليتم دون ضوء أخضر من أعلى الهرم.
هذا الوضع يفتح الباب أمام صراع أعمق داخل النظام. فالجناح الذي يفضل “إدارة الأزمة” يرى في التفاهم فرصة لشراء الوقت وتخفيف الضغط الاقتصادي، بينما يعتبره الجناح الأيديولوجي المتشدد بداية انزلاق نحو تنازلات أوسع. وهكذا تتحول المذكرة إلى مادة جديدة لصراع العقارب داخل السلطة، لا إلى عامل استقرار.
أما على المستوى الإقليمي، فإن التداعيات لا تقل أهمية. في اليمن، سيجد الحوثيون أنفسهم أمام سقف حركة أضيق، لأن أي تصعيد في البحر الأحمر أو ضد الملاحة سيُقرأ كاختبار مباشر لالتزامات طهران. وفي العراق، ستتعرض الميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري لضغط أكبر كي تخفف هجماتها أو تحافظ على درجة انضباط لا تربك التفاهم. لكن الأخطر يبقى في لبنان.
فلبنان هو الساحة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. حزب الله، بوصفه أهم أذرع النظام الإيراني، سيواجه مرحلة معقدة: لا يستطيع الظهور كمن خضع للضوابط الأميركية، ولا يستطيع في الوقت نفسه تجاهل حاجة طهران إلى تثبيت التفاهم. لذلك قد يلجأ إلى خطاب تصعيدي مع سلوك ميداني أكثر حذراً. وهذا يعني أن لبنان قد يدخل مرحلة “توتر مضبوط”، حيث تبقى لغة التهديد قائمة، لكن قرار الحرب يصبح أكثر ارتباطاً بحسابات طهران التفاوضية.
في الخلاصة، هذه المذكرة لا تنهي أزمة النظام الإيراني، بل تنقلها إلى مستوى جديد. فهي تمنحه وقتاً محدوداً، لكنها تكشف ضعفه، وتضغط على أجنحته، وتضع أذرعه الإقليمية أمام قيود غير معلنة. والأهم أنها تؤكد أن نظام ولاية الفقيه لم يعد قادراً على استخدام الحرب والتصعيد كما يشاء، من دون أن يدفع ثمناً داخلياً وإقليمياً متزايداً.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير