لبنان على أعتاب نصف قرن من السلام

خاص بوابة بيروت

في السياسة لا مكان للصدف، وفي العلاقات الدولية لا توجد جمعيات خيرية. الدول الكبرى لا تتحرك بدافع العواطف، بل وفقاً لمصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة مستقبل لبنان يجب أن تنطلق من الوقائع لا من الأمنيات.

خلال السنوات الماضية، تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإضعاف نفوذ حزب الله في المنطقة، وبغض النظر عن الموقف السياسي من هذا التوجه، فإن الوقائع تشير إلى أن موازين القوى التي كانت قائمة قبل سنوات لم تعد كما كانت. المنطقة بأسرها تشهد تحولات استراتيجية كبرى، ولبنان يقف في قلب هذه التحولات.

وفي موازاة المشهد السياسي، تبرز حقيقة لا يمكن تجاهلها، لبنان يقع في واحدة من أكثر المناطق الواعدة للطاقة في شرق البحر المتوسط. صحيح أن حجم الثروات النفطية والغازية اللبنانية لم يُحدد بعد بشكل نهائي، وصحيح أنه لا توجد حتى الآن اكتشافات تجارية ضخمة تسمح بتقدير القيمة الفعلية لهذه الموارد، إلا أن المؤشرات الجيولوجية الإيجابية واهتمام الشركات الدولية بعمليات الاستكشاف يؤكدان أن لبنان يمتلك فرصة اقتصادية حقيقية قد تغير مستقبله لعقود طويلة.

لكن أهمية لبنان لا تكمن فقط فيما قد يملكه تحت مياهه الإقليمية، بل أيضاً في موقعه الجغرافي. فلبنان يشكل نقطة التقاء طبيعية بين أوروبا والشرق الأوسط والخليج العربي، ويملك مرافئ وموقعاً لوجستياً يمكن أن يحوله إلى مركز اقتصادي وتجاري مهم إذا توافرت الاستقرار والإدارة الرشيدة.

من هنا، فإن مستقبل لبنان لم يعد مرتبطاً فقط بالتوازنات العسكرية أو السياسية التقليدية، بل بات مرتبطاً أيضاً بالاقتصاد والاستثمار والطاقة ومشاريع الربط الإقليمي.

العالم يبحث اليوم عن الاستقرار حيث توجد الفرص الاقتصادية، وعن الأسواق التي يمكن أن تشكل جسوراً للتجارة والطاقة والاستثمار.

ولهذا السبب، فإن الرهان الحقيقي ليس على استمرار منطق المواجهة المفتوحة، بل على انتقال لبنان تدريجياً نحو مرحلة يكون فيها القرار الوطني بيد الدولة ومؤسساتها، وتكون الأولوية للنمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات وإعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية.

إن السلام والاستقرار لا يصنعهما الضعف، بل تصنعهما المصالح المشتركة. وعندما تصبح كلفة الصراع أعلى من فوائد التعاون، تتغير الحسابات السياسية تلقائياً. وهذا ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن لبنان يتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها الاقتصاد أولاً والدولة أولاً.

قد يختلف اللبنانيون حول السياسة، وقد تستمر الخلافات الداخلية كما كانت دائماً، لكن المؤشرات الإقليمية والدولية توحي بأن المنطقة تتجه نحو إعادة رسم أولوياتها على أساس التنمية والاستثمار والازدهار الاقتصادي. وإذا أحسن لبنان استغلال هذه اللحظة التاريخية، فقد يكون أمامه فرصة حقيقية للدخول في مرحلة طويلة من الاستقرار والنمو.

لقد تعب اللبنانيون من الحروب والأزمات والانقسامات. واليوم، ربما تكون الفرصة متاحة للمرة الأولى منذ عقود لكي ينتقل لبنان من دولة تعيش على وقع الأزمات إلى دولة تستفيد من موقعها وثرواتها وقدرات شعبها.

إن المستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالاستقرار. ولا يُبنى بالمواجهات الدائمة، بل بالدولة القوية والاقتصاد المنتج. عندما تلتقي الجغرافيا بالاقتصاد تنتصر الدولة وعندما تنتصر الدولة، ينتصر لبنان.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك