مفاوضات واشنطن اللبنانية – الإسرائيلية تحت مظلّة التفاهم الأميركي – الإيراني.

خاص بوابة بيروت

انطلقت الجولة الجديدة للمفاوضات اللبنانية الاسرائيلية في واشنطن وسط جوّين متناقضين: الوّل إيجابي استمدّته من وقع الأجواء الإقليميّة بعد اتّفاق الإطار الذي تمّ التوصّل إليه بين واشنطن وطهران، والثاني سلبي نتيجة مقتل شخصين في جنوب لبنان بنيران إسرائيلية في منطقة النبطية الفوقا، في أول حادث دموي منذ دخول وقف إطلاق النار الجديد حيّز التنفيذ، إذ اعتبرت منظّمة حزب الله الحادث خرقًا للتهدئة، فيما أكدت إسرائيل أنها استهدفت عناصر مسلحة.

وسط هذه الأحداث المتسارعة، يبحث النّاس عن فائز في ظلّ هذا المسار. كلّ يرى الفوز من نصيبه، لكن الواقع مختلف تمامًا. إيران حصلت على استسلام مشرّف سرعان ما ستتبدّى نتائجه في القليل القادم من الأيّام.

منظّمة حزب الله تمّ القضاء على اللبنانيّين فيها وباتت تستنجد بالقصّر وبالحرس الثوري الذي لا نعرف كلبنانيّين أين يتمركز؟ أمّا إسرائيل فرضخت بنهاية المطاف لمطالب الولايات المتّحدة الأميركيّة.

يبقى أنّ ما تبقّى من دولة لبنانيّة يحاول أركانها، وعلى رأسهم فخامة رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون التقاط ما تبقّى لها من سيادة، لأنّ مفتاح الحلّ في لبنان هو السيادة على الـ10452 كم مربع. وفخامته أحسن قراءة المتغيّرات لو أنّ بعض اللائمين عارضوا انتظاره طوال هذه المدّة. لكنّه لم يكن يملك بيده سوى مفتاح الانتظار درءًا للإنفجار. ونجح حتّى الساعة بذلك.

لقد تمسّك بالانسحاب الاسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانيّة ورفض أيّ ترتيبات تنتقص من السيادة. ولا يمكن لأيّ لبنانيّ ضنين بوطنه أن يقف ضدّ فخامة الرّئيس في استعادة المسار السيادي وتصويب البوصلة نحو الدّولة ومؤسّساتها.

ولعلّ هذا ما دفع الرئاسة الأميركيّة إلى إجراء اتصالات مباشرة مع الرئاسة اللبنانية لبحث آلية مراقبة وقف إطلاق النار ومنع الانزلاق إلى مواجهة جديدة.

وهذا ما ترجم هدوء نسبيّ على الجبهة الجنوبيّة. كذلك انسحب هذا الهدوء بين واشنطن وطهران. هذه الإيجابيّة التي وجب الاستثمار فيها، وذلك لسحب فتيل التّفجير الذي قد يعمد الإسرائيلي إلى استعماله للإجهاز على هذا المسار كلّه.

ولا سيّما أنّ الخرق بدا واضحًا اليوم.وما يقرأ من استمرار الخروقات الميدانية في الجنوب، يعني أن الهدنة لا تزال هشّة وقابلة للاهتزاز في أي لحظة. وهذه فرصة قد لا يفوّتها الاسرائيلي.

هذا ما يؤكّد نظريّة السباق المفاوضاتي. فالتفاهم الأميركي – الإيراني دخل مرحلة المتابعة التقنية، مع استمرار المفاوضات الهادفة إلى التوصل لاتفاق دائم خلال مهلة ستين يومًا.

والملف اللبناني برز كأحد المحاور الأساسية في المحادثات الأميركية – الإيرانية، خصوصًا ما يتعلق بوقف العمليات العسكرية جنوب لبنان ومستقبل الترتيبات الأمنية؛ رما أدّى إلى إنشاء آلية تنسيق أو “خلية منع التصعيد” خاصة بلبنان لمراقبة الالتزام بالتهدئة. بحسب ما تمّ تسريبه إعلاميًّا وصحافيًّا من أروقة واشنطن.

ولأنّ الاسرائيلي يخشى من تقييد حرّيّة حركته نتيجة للعامل الإيجابي في واشنطن؛ استغلّت طهران هذا العامل المستجدّ لتحذّر من أن أي تصعيد إسرائيلي جديد في لبنان، قد يهدّد مسار المفاوضات الجارية مع واشنطن. وهكذا تعود إلى سياسة الابتزاز ولكن هذه المرّة ليس من خلال قدرة منظّمتها على تهديد الإسرائيلي بل من خلال قدرة الاسرائيلي على تهديد منظّمتها في لبنان.

فيما بدا الخوف الشعبي في لبنان واضحًا من استمرار الحذر في القرى الجنوبية رغم تراجع وتيرة العمليات العسكرية وبدء عودة بعض النازحين إلى مناطقهم. فيما برزت عودة بعضهم إلى الحقيقة الوطنيّة التي نجحت منظّمة حزب الله بتعريتها أمام بيئتها الحاضنة.

في المحصّلة، إنّ استمرار المفاوضات الأميركية – الإيرانية بعد الاتفاق المبدئي الذي أوقف المواجهة العسكرية المباشرة بين الطرفين لا بدّ أن يؤمّن ديمومة إيجابيّة للمسار اللبناني – الإسرائيلي، فيما يبدو جليًّا أنّ طرفي التفاوض قد فقدا عنصر المبادرة كي لا نقول المفاجأة.

وبات كلّ شيء بيد الأميركي. فالرئيس دونالد ترامب أعلن أن إيران وافقت على ترتيبات رقابية طويلة الأمد تتعلق ببرنامجها النووي، بينما أبدت طهران تحفظًا على بعض هذه التصريحات. وهذا يعني عمليًّا أنّ المايسترو واحد أحد لا شريك معه ولا منافس عنده.

وما عكس ارتياح الأميركي هو عودة تدريجية لحركة الملاحة في مضيق هرمز، لكن المخاوف لا تزال قائمة بشأن أمن الممرات البحرية وأسعار الطاقة العالمية التي ترجمت انخفاضًا ملحوظًا، ما سمح للرئيس ترامب بتنفّس الصعداء الاقتصاديّة.

على وقع تحذيرات الأمم المتحدة من تداعيات اقتصادية عالمية طويلة الأمد إذا تعثرت التفاهمات الحالية في الشرق الأوسط.

فهل سيتمّ ترجمة هذه التحذيرات في واشنطن أم في تلّ أبيب؟

وهل فعلًا أصبحت طهران بيدقًا على طاولة واشنطن تمهيدًا إلى الانتقال نحو آفاق جديدة قد تبدأ بالشرق الأدنى ولا تنتهي في غرب وسط آسيا؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك