
مدير التحرير
الاحتلال الإسرائيلي … أم سقوط النظام؟
خاص بوابة بيروت
لقد أصبحت خياراتنا في لبنان محدودة جدًّا. فالمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن مستمرّة بوساطة أميركية، فيما تصرّ إسرائيل على ربط انسحابها من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله، ما يضع عقبة إضافية أمام أيّ تسوية.
غير أنّ الإشكالية الحقيقية التي تطرحها هذه المفاوضات لا تقتصر على وقف إطلاق النار أو ترسيم ترتيبات أمنية جديدة، بل تتمحور حول سؤال أكثر عمقًا: أيّ نظام قادر على إعادة إنتاج دولة سيّدة، حرّة ومستقلّة، وقادرة على تنفيذ أيّ اتفاق قد ينتج عن هذه المفاوضات؟
لقد أثبت التاريخ المعاصر أنّ الأزمات الكبرى في لبنان لم تكن نتيجة غياب التسويات الخارجية، بل نتيجة عجز النظام الداخلي عن استيعابها. فمنذ اتفاق القاهرة، مرورًا باتفاق الطائف، وصولًا إلى تفاهمات ما بعد حرب تموز، بقيت المشكلة في الدولة العاجزة عن احتكار القرار السيادي وتنفيذ التزاماتها.
ولذلك، فإنّ السؤال المطروح اليوم لا يقتصر على معرفة ما إذا كانت المفاوضات ستفضي إلى منطقة أمنيّة أو مناطق تجريبية، بل إلى معرفة أيّ دولة ستتولّى تنفيذ نتائجها.
حين يكشف التفاوض عجز النظام بين الاحتلال الدائم والعداء الايديولوجي
ولا يمكن، في المقابل، تجاوز حقيقة الاحتلال الإسرائيلي وما خلّفه من دمار وتهجير، أو تجاهل الأسئلة المشروعة حول طبيعة العداء بين لبنان وإسرائيل.
غير أنّ هذا الملفّ يتقاطع اليوم مع مسار تفاوضي يشهد تباينًا بين الرغبة الأميركية في تثبيت التهدئة، والإصرار الإسرائيلي على الاحتفاظ بحرية العمل العسكري داخل لبنان، فيما يتزامن ذلك مع تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية بفعل السياسات الحكومية والضرائب الجديدة، ليجد لبنان نفسه محاصرًا بين ضغوط الخارج وألغام الداخل.
وهنا يتبيّن أنّ الأزمة ليست أزمة تفاوض بقدر ما هي أزمة نظام. فبعد أكثر من ستة وثلاثين عامًا على اتفاق الطائف، بقي الدستور معلّقًا في أبرز مواده الإصلاحية، واستمرّت الدولة مركزية وعاجزة، حتى وصلت إلى الانهيار المالي والمؤسساتي. وبالتالي، فإنّ المشكلة كانت ولا تزال في بنية النظام أكثر ممّا هي في طبيعة التسويات الخارجية.
ليست أزمة تفاوض… بل أزمة نظام
وفي موازاة ذلك، يستمرّ الربط بين المسار الأميركي – الإيراني والمسار اللبناني، مع بقاء عقدة سلاح حزب الله والانسحاب الإسرائيلي في صلب المفاوضات.
وأيّ تقدّم أو تعثّر في هذا المسار سينعكس مباشرة على لبنان. لكنّ ما يجري اليوم يتجاوز مجرّد التفاوض على وقف الحرب، إذ إنّ المجتمع الدولي يبحث عمليًا عن سلطة قادرة على تنفيذ أيّ تفاهم مستقبلي. فكلّ اتفاق أمني يحتاج إلى دولة قادرة، وكلّ دولة تحتاج إلى نظام سياسي قادر على إنتاج القرار وتنفيذه.
من هنا، يصبح السؤال منطقيًا: هل يمكن إنجاح المفاوضات داخل النظام نفسه الذي أثبت، طوال العقود الماضية، عجزه عن حماية السيادة، وضبط السلاح، وإدارة الاقتصاد، وتطبيق الدستور؟ أم أنّ نجاح هذه المفاوضات يفترض، قبل أيّ شيء، إنتاج نظام دستوري جديد يحفظ نتائجها ويمنع انهيارها؟
من روح الطائف إلى نظام جديد
لذلك، بات من الضروري الانتقال من روح الطائف إلى نظام اتّحادي – حيادي، قوامه الفدرالية الدستورية الإثنوجغرافية، بما يحفظ الكيانية اللبنانية ويؤمّن استقرارها. فالفدرالية ليست تقسيمًا، بل محاولة لبناء دولة قادرة على إدارة تعدديتها، لأنّ أيّ مفاوضات تُجرى في ظلّ دولة فاشلة ستبقى مهدّدة بالانهيار، مهما بلغت أهميتها.
لقد أثبتت تجارب التاريخ المعاصر، من البوسنة إلى بلجيكا وسويسرا، أنّ التسويات الكبرى لا تنجح إلّا حين تترافق مع إعادة بناء النظام السياسي بما يتلاءم مع الواقع الجديد.
أمّا الإصرار على إبقاء النظام نفسه، مع تغيّر طبيعة الصراع، فلا يؤدّي إلّا إلى إعادة إنتاج الأزمات.
لا مفاوضات ناجحة في ظلّ نظام فاشل
إنّ نجاح المفاوضات يبقى إنجازًا مهمًّا، لكنّه لا يجوز أن يكون على حساب جوهر وجود لبنان.
فالإشكالية ستظلّ قائمة ما دام النظام عاجزًا عن حمل نتائج أيّ اتفاق.
لذلك، فإنّ أيّ مفاوضات تُدار في ظلّ نظام فاشل لن تؤدّي إلّا إلى تكريس الاحتلال الإسرائيلي، وغيره من أشكال الوصاية والاحتلال، ولو بمسمّيات جديدة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير