الأرض لا طائفة لها… والنفايات لا تعرف 17 منطقة

طاولة حزب الخضر اللبناني تضع الإصبع على جرح النفايات وتبحث عن الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء نظام وطني

خاص بوابة بيروت

على قلم الرصاص الذي قدّمه حزب الخضر اللبناني للمشاركين، كُتبت عبارة تختصر جوهر القضية البيئية في لبنان: «الأرض لا طائفة لها». وهي رسالة تستحق أن نستكملها بالقول: والنفايات أيضاً لا تعرف 17 منطقة خدماتية، ولا تعترف بالحدود السياسية والطائفية والمناطقية التي رسمناها نحن. هذا ما استهلّ به رئيس الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة حديثه.

بدعوة من رئيس حزب الخضر اللبناني، السيد فادي أبي علام، عُقدت يوم الجمعة 21 آب 2026، في مقر الحزب في جسر الباشا، طاولة مستديرة بعنوان: «النفايات الصلبة في لبنان: تحديات وفرص».

شارك في اللقاء عدد كبير من الاختصاصيين والخبراء وممثلي الجمعيات والهيئات العاملة في المجال البيئي، وتحول الاجتماع إلى مساحة حوار ونقاش مهمة، طُرحت خلالها الأسئلة والمخاوف والاعتراضات، ونوقشت التحديات القانونية والمالية والتقنية التي تواجه إدارة النفايات في لبنان.

وشارك في الطاولة:

* المهندس مروان رزق الله، رئيس الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة.
* المهندس مالك غندور، رئيس التجمع اللبناني للبيئة.
* البروفيسور حسان مخلوف، رئيس الحركة البيئية اللبنانية.
* الأستاذ مارك عون، مؤسس ورئيس جمعية Vamos Todos للسياحة البيئية، ومقرر لجنة البيئة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
* المهندس زياد أبي شاكر، المدير العام لشركة Cedar Environmental.

بعد الترحيب بالحضور، ركّز السيد فادي أبي علام على أهمية هذه المبادرة القيّمة، وعلى الدور الذي يقوم به حزب الخضر اللبناني في جمع الخبرات والكفاءات البيئية حول القضايا الوطنية الملحّة. وقد عكست كلمته عمق الأزمة والحاجة إلى الانتقال من تكرار تشخيص المشكلة إلى وضع خطة عملية قابلة للتنفيذ.

أدارت اللقاء الأستاذة بارعة الأحمر.

قدّم المهندس مالك غندور رؤية استراتيجية للأزمة، فيما وضع البروفيسور حسان مخلوف خبرته العلمية في خدمة البحث عن حلول واقعية. وقدّم المهندس زياد أبي شاكر مداخلة تقنية مهمة استندت إلى خبرته الواسعة في معالجة النفايات واسترداد المواد.

أما الأستاذ مارك عون، فتناول تأثير أزمة النفايات في السياحة البيئية والريفية، وإمكان تحويل الإدارة السليمة لهذا القطاع من عبءٍ يشوّه صورة لبنان إلى عنصر إيجابي يدعم التنمية المحلية والسياحة المستدامة. كما شدّد على أهمية التوعية في البلديات والمدارس والجامعات، وعلى دور المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي كمنصة جامعة بين القطاعين العام والخاص.

كان اللقاء ضروريًّا، لأن النفايات ليست مشكلة تقنية فقط، بل قضية صحة عامة وحوكمة وشفافية وعدالة اجتماعية وبيئية.

هيئة جديدة أمام مسؤولية كبيرة

شكّل شرح المهندس مروان رزق الله لدور الهيئة الوطنية لإدارة النفايات الصلبة محوراً أساسيًّا في اللقاء. وقد جاءت أجوبته منطقية وواقعية، خصوصاً أن الهيئة لا تزال حديثة التفعيل، وتعمل حاليًّا على بناء هيكليتها وتجهيز الأنظمة ودفاتر الشروط وآليات الرقابة الضرورية لتطبيق قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة رقم 80/2018، بالتعاون مع وزارة البيئة والبلديات.

لم يقدّم المهندس مروان وعوداً بنتائج فورية، بل أوضح أن بناء نظام جديد يحتاج إلى دراسات وتمويل ومناقصات شفافة وتعاون مع البلديات والقطاع الخاص. وقد تستغرق رؤية المشاريع الكبيرة على الأرض سنة ونصفاً أو سنتين، لكن العمل التحضيري بدأ فعليًّا.

كما تناول النقاش القانون نفسه، والمخالفات والرسوم والضرائب ونسب توزيع الإيرادات والآليات التي يُفترض اعتمادها. فنجاح أي قانون لا يتحقق بالنصوص وحدها، بل بوضوح الصلاحيات، وعدالة التمويل، والقدرة على الرقابة والمحاسبة.

ورغم وجود ملاحظات وثغرات، فإن إيجابيات القانون يمكن أن تكون أكثر من سلبياته إذا طُبّق بشفافية، وطُوّر تدريجيًّا بناءً على النتائج الفعلية.

أكثر من نصف نفاياتنا عضوية

من أبرز النقاط التي طُرحت أن النفايات العضوية تشكّل النسبة الأكبر من النفايات المنزلية في لبنان، وتدور التقديرات حول 50% أو أكثر، بحسب المنطقة والموسم.

من هنا، لا يجوز أن ينحصر التفكير في استخراج البلاستيك والمعادن من النفايات المختلطة، بينما نترك الكتلة العضوية الكبرى بلا معالجة سليمة.

في عدد من معامل الفرز، لا تتجاوز نسبة المواد المسترجعة فعليًّا 5% إلى 10% فقط، لأن أغلب النفايات تصل مهروسة داخل الشاحنات المخصصة لها، بعدما تكون المواد ذات القيمة قد جُمعت من الشوارع أو استُخرجت من النفايات بواسطة شركات الفرز والنبّاشين.

فهل من المنطقي أن ندفع كلفة مرتفعة لتشغيل معمل من أجل استخراج هذه النسبة المحدودة، بينما تصل إليه النفايات مختلطة وملوّثة، وتكون قيمة كثير من المواد قد تراجعت؟

تبدأ المعالجة الصحيحة قبل وصول النفايات إلى المعمل، أي داخل المنزل والمؤسسة والمطعم والفندق والمدرسة.

أما النفايات العضوية، وهي الجزء الأكبر والأثقل، فيجب فصلها وتحويلها إلى سماد عضوي عبر التسبيخ Composting، وفق شروط صحية وبيئية تمنع الروائح والعصارة والحشرات وتلوث التربة والمياه.

من الباب إلى الباب وفي أيام مختلفة

من أبرز الخطوات التي تعمل الهيئة على التحضير لها اعتماد الفرز من المصدر، عبر نظام يقوم على وضع النفايات في كيسين منفصلتين على الأقل:

* كيس للنفايات العضوية المخصصة للتسبيخ.
* كيس للمواد الجافة القابلة للاسترداد وإعادة التدوير.

لكن وضع كيسين في المنزل لا يكفي إذا جُمعت محتوياتهما لاحقاً في الشاحنة نفسها. لذلك، يجب أن يترافق الفرز من المصدر مع جمع منفصل من الباب إلى الباب – Door-to-Door Collection، بحيث تُجمع المواد في أيام مختلفة، أو بواسطة شاحنات ومسارات منفصلة، فلا تعود النفايات المفروزة إلى الاختلاط.

أما النفايات الإلكترونية، والأثاث القديم، والمفروشات، والأجهزة الكهربائية، والمواد الكبيرة الحجم وما يشابهها، فلا يجوز وضعها مع النفايات المنزلية اليومية، بل يجب جمعها بناءً على طلب خاص، أو في اوقات محدد، ثم إرسالها إلى جهات متخصصة لتفكيكها واسترداد موادها أو معالجتها بصورة آمنة.

يمكن إطلاق هذا النظام بدايةً في عدد من البلديات والقرى كنموذج تجريبي، ثم قياس نتائجه وتوسيعه تدريجيًّا. وقد تكون البداية أسهل في المناطق الريفية والأقل اكتظاظاً، بينما تحتاج بيروت والمدن الكبرى إلى تنظيم يناسب الكثافة السكانية وحركة السكان والمؤسسات والمطاعم والمتاجر.

ليس المطلوب فرض نموذج واحد على كل لبنان، بل اعتماد مبادئ وطنية موحّدة، مع تكييف آليات التنفيذ بحسب طبيعة كل منطقة.

هل النفايات تصنع المال فعلاً؟

تنتشر في المجتمع أفكار مغلوطة كثيرة، من بينها أن «النفايات كنز»، وأن إنشاء أي معمل سيؤدي تلقائيًّا إلى تحقيق أرباح كبيرة.

صحيح أن بعض المواد تملك قيمة سوقية، لكن هذه القيمة لا تعني أن كل النفايات قابلة للبيع، أو أن عائدات التدوير تكفي وحدها لتغطية تكاليف الجمع والنقل والفرز والمعالجة.

أوضح المهندس زياد أبي شاكر، بالأرقام، أن الفرد ينتج ما يقارب نصف كيلوغرام من النفايات يوميًّا. لذلك، فإن بلدية صغيرة ذات عدد محدود من السكان قد لا تولّد كمية كافية لتشغيل معمل مستقل بكفاءة اقتصادية.

كما أن المعمل يحتاج إلى كمية مناسبة ومنتظمة من النفايات، وإلى نسبة كافية من المواد القابلة للتدوير، فضلاً عن كلفة الأرض والبناء والآلات والطاقة والعمال والصيانة والنقل.

من هنا، قد تشكّل اتحادات البلديات الأساس الأنسب للحل، من خلال جمع عدة بلديات ضمن خطة متكاملة، وتأمين كمية كافية للمعالجة، وتوزيع الكلفة والمسؤوليات بطريقة عادلة.

فالفرز قد يوفّر جزءاً من الكلفة، وقد تنتج عنه مواد لها قيمة، لكنه ليس مشروعاً يخلق المال من دون استثمار وإدارة وسوق وشفافية.

ليست كل أنواع البلاستيك متشابهة

بعض المواد، مثل PET وHDPE والحديد والألمنيوم، تمتلك قيمة سوقية، ويمكن استردادها عندما تكون مفروزة ونظيفة.

أما أكياس النايلون والبلاستيك المختلط أو الملوّث بالنفايات العضوية، فيصعب تدويرها اقتصاديًّا. وقد تُستخدم بعض هذه المواد، بعد الفرز والتجهيز وفق مواصفات صحية وبيئية دقيقة، لإنتاج الوقود المشتق من النفايات RDF.

لكن هذا الخيار لا يجوز أن يتحول إلى غطاء لحرق النفايات المختلطة. كما يجب توضيح كلفته الحقيقية: من يدفع كلفة التجهيز والنقل؟ ومن يستلم هذه المادة؟ وما معايير الجودة والانبعاثات والرقابة البيئية؟

17 منطقة… وتقسيم يتجاوز البيئة

تناول النقاش تقسيم لبنان إلى مناطق خدماتية لإدارة النفايات، مع التعامل مع بيروت كمنطقة مستقلة، وتقسيم جبل لبنان ومناطق أخرى إلى نطاقات متعددة.

من حيث المبدأ، يمكن لعدد من البلديات أو الأقضية التعاون والاستفادة من منشأة مشتركة، شرط الاتفاق على الموقع والتمويل والإدارة والكميات وآليات الرقابة.

لكن التقسيمات تأثرت أحياناً باعتبارات سياسية وطائفية، إضافةً إلى ظاهرة عالمية تُعرف باسم:

Not In My Backyard – ليس في حديقتي الخلفية.

فالجميع يريد حلاً للنفايات، لكن لا أحد يريد معمل معالجة أو مطمراً بالقرب من منزله. ولهذا، يجب اختيار المواقع وفق دراسات علمية وبيئية، وإشراك المجتمعات المحلية، ونشر المعلومات، وتقديم الضمانات الصحية الحقيقية.

كما لا يجوز أن تتحمل صيدا أو طرابلس أو أي منطقة أخرى نفايات بيروت أو غيرها من المناطق من دون اتفاق واضح وعادل ورقابة فعلية.

البلدية تستعيد دورها الأساسي

أصبح دور البلدية اليوم أكثر وضوحاً. فهي الجهة الأقرب إلى المواطن، والمسؤولة أساساً عن تنظيم الجمع المحلي، ونشر التوعية، ومتابعة الفرز من المصدر، والمساهمة في تحصيل كلفة الخدمة، وتنظيم نقل النفايات وفق الخطة الموضوعة.

وفي المقابل، تتولى الهيئة وضع المعايير والإشراف على العمل ومتابعة تطبيق القانون، بينما يمكن التعاون مع شركات القطاع الخاص لتشغيل المعامل وإدارتها بكفاءة، شرط إجراء مناقصات علنية وشفافة، ووجود رقابة ومحاسبة فعليتين.

لا يمكن إنشاء منشأة أو اختيار موقع أو إطلاق نظام جمع في أي منطقة من دون البلدية، لكنها تحتاج إلى التمويل والخبرة والموظفين المدرَّبين، لا إلى تحميلها المسؤوليات من دون الأدوات اللازمة.

موظفون ثابتون لحماية الاستمرارية

تتغيّر المجالس البلدية عادةً كل ست سنوات، وقد يصل رئيس وأعضاء جدد لا يمتلكون الخبرة الكافية في إدارة النفايات أو الشأن البلدي.

لذلك، تطالب الهيئة بأن يكون لدى البلديات موظفون ثابتون يتلقون التدريب ويكتسبون المعرفة التقنية والإدارية، ليتمكنوا من متابعة المشروع والمحافظة على استمراريته عند تغيّر المجلس البلدي.

يجب ألا يبدأ كل مجلس جديد من الصفر، وألا تضيع الخبرة مع رحيل رئيس أو عضو. المطلوب جهاز بلدي دائم يضم مهندسين وفنيين وإداريين قادرين على حفظ المعلومات ومتابعة العقود والبيانات والتواصل مع الهيئة والمشغّلين.

الدولة لا تُبنى على شخص واحد، وكذلك الهيئة والبلدية. تتغيّر القيادات وتُرسم سياسات جديدة، لكن المؤسسة والنظام والمعرفة يجب أن تبقى.

منصة وطنية للمعلومات والمحاسبة

من المشاريع المهمة التي يجري العمل عليها إنشاء نظام بيانات موحّد ولوحة متابعة وطنية Dashboard، تُسجَّل عليها جميع معامل ومنشآت النفايات في لبنان، مع توضيح:

* نوع المنشأة وقدرتها الاستيعابية.
* الكميات التي تدخل إليها.
* نسب التسميد وإعادة التدوير وإنتاج RDF والطمر.
* التقنيات المستخدمة ونتائج التشغيل.
* وجهة المواد بعد معالجتها.

كما يُفترض ربط موازين المنشآت إلكترونيًّا بالهيئة، بما يسمح بمتابعة الكميات من نقطة إلى أخرى. هذه البيانات لا تخدم الرقابة فقط، بل تؤسس للمحاسبة وتمنع التلاعب بالأرقام.

ومن المهم أن تُنشر مؤشرات الأداء الأساسية على الموقع الإلكتروني للهيئة، حتى يعرف المواطن أين تذهب نفاياته، وكم يُعاد تدويره أو تسميده، وكم يُطمر، وكم تدفع الدولة والبلديات لقاء ذلك.

المعلومة البيئية حق عام، والشفافية هي أول أبواب الإصلاح.

شراكة مع القطاع الخاص… تحت رقابة الدولة

طُرح نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ولا سيما نظام:

DBOT – Design, Build, Operate and Transfer
أي: التصميم والبناء والتشغيل ثم نقل الملكية.

يتيح هذا النموذج للقطاع الخاص الاستثمار في المنشأة وتشغيلها وتحمّل مسؤولية أدائها وصيانتها، ثم نقلها إلى الجهة العامة بعد انتهاء مدة العقد.

لكن هذه المشاريع تحتاج إلى عقود مدروسة ومدد تسمح باسترداد الاستثمار، وقد تصل إلى عشر أو اثنتي عشرة سنة. كما يجب طرح المناقصات علناً عبر منصة هيئة الشراء العام، وإتاحة المنافسة لأكبر عدد من الشركات المؤهلة، مع شروط صارمة تمنع الاحتكار وتضمن جودة الخدمة.

ويمكن للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن يؤدي دوراً مهمًّا كمنصة تجمع القطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني، للوصول إلى خيارات وطنية أكثر توازناً واستدامة.

الأموال البيئية يجب أن تصل إلى البلديات

تطرّق اللقاء إلى الرسوم والضرائب البيئية وكيفية توزيع الإيرادات. والمبدأ الأساسي هو أن تصل حصة البلديات إليها وفق معايير واضحة وشفافة، وألا تُحتجز أو تُقتطع قبل وصولها.

لا يمكن أن نطلب من البلدية أن توعّي وتفرز وتجمع وتنقل وتعالج، ثم نتركها بلا موارد. وفي الوقت نفسه، يجب أن يرتبط التمويل بالأداء؛ فالبلدية التي تلتزم بالفرز، وتخفض نسبة الطمر، وتحسّن مستوى الجمع، يجب أن تحصل على حوافز إضافية.

وينبغي أن يعرف المواطن أيضاً طبيعة الرسم الذي يدفعه، والخدمة التي يحصل عليها في المقابل، وكيف تُنفق الأموال، ومن يتحمل مسؤولية التقصير.

من المقالع إلى النفايات: البيئة ليست مالاً مباحاً

جرى التوقف أيضاً عند ملف المقالع والكسارات، والدراسات التي أُعدّت بالتنسيق بين وزارة البيئة والجيش اللبناني، بالاستناد إلى خرائط وصور جوية قديمة لمقارنة المواقع قبل الاستغلال وبعده.

إن احتساب قيمة المواد المستخرجة، وحجم الضرر البيئي، وكلفة إعادة التأهيل، خطوة ضرورية. لكن العدالة تتطلب أيضاً تحديد مسؤولية كل مستثمر وفق مدة الاستغلال وحجم الأعمال التي نفذها، ثم إلزام المسؤولين بالتعويض وإعادة تأهيل المواقع.

فالأرض ليست مورداً مجانيًّا، والربح الخاص لا يجوز أن يتحول إلى خسارة بيئية وصحية يدفع ثمنها المجتمع.

لن تظهر النتائج غداً… لكن البداية يجب أن تكون اليوم

كان من أكثر ما طُرح واقعيةً الإقرار بأن بناء المعامل، وإجراء الدراسات، وتأمين التمويل، وإطلاق المناقصات، وتنفيذ المشاريع، يحتاج إلى وقت.

لكن انتظار الحل الكامل لا يعني الوقوف. يمكن البدء اليوم بإعداد دفاتر الشروط، وتدريب البلديات، وبناء قاعدة البيانات، وإطلاق الفرز من المصدر، وتنظيم الجمع من الباب إلى الباب، وتنفيذ نماذج تجريبية، ومعالجة النفايات العضوية محليًّا حيث تسمح الظروف.

نجاح هذا المسار يحتاج أيضاً إلى توعية مستمرة في البلديات والمدارس والجامعات، لأن المواطن ليس مجرد منتج للنفايات، بل هو الشريك الأول في الحل.

الأرض لا طائفة لها

خرجتُ من اللقاء وأنا أعود إلى العبارة المكتوبة على قلم الرصاص: «الأرض لا طائفة لها».

نعم، الأرض لا طائفة لها، والهواء لا ينتمي إلى حزب، والمياه الجوفية لا تتوقف عند حدود القضاء، والنفايات لا تحمل بطاقة هوية، ولا تعترف بالمناطق الخدماتية السبع عشرة.

إدارة النفايات ليست ملفًّا هامشيًّا، بل امتحان لقدرتنا على بناء دولة حديثة تحمي صحة الإنسان وكرامة الأرض. ونجاح هذا الملف يحتاج إلى وزارة وبلديات وهيئة وطنية وقطاع خاص ومجتمع مدني ومواطنين يعملون ضمن منظومة واحدة.

هذه هي بداية الطريق نحو هدف «صفر نفايات – Zero Waste»، وإمكان حقيقي لتحويل الأزمة إلى فرصة لبناء اقتصاد دائري، ودعم السياحة البيئية والريفية، وخلق فرص عمل، وحماية صورة لبنان وطبيعته.

والشعار الأصدق للمرحلة المقبلة يجب أن يكون:

نفرز من المصدر، ونجمع من الباب إلى الباب، ونعالج النفايات العضوية بالتسبيخ، ونستعيد ما يمكن تدويره، وننظّم جمع النفايات الإلكترونية والأثاث، ونقلّل الطمر، وننشر البيانات، ونحاسب على النتائج.

لأن النفايات ليست قدراً، بل مورد أضعناه بسوء الإدارة. ولأن الأرض التي ورثناها ليست ملكاً لنا وحدنا، بل أمانة علينا أن نسلّمها إلى الأجيال المقبلة أكثر صحةً وأقل تلوثاً.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك