الفاتيكان يعيد للبنان “الدّور”

خاص بوابة بيروت

لطالما تكرّس دور لبنان انطلاقًا من موقعه الجغرافي ودوره الجيوسياسي في محيطه. زد على ذلك، أنّ التعدّديّة التكوينيّة التي بنيت على أساسها الصيغة اللبنانيّة، على علّاتها، أضفت ميزة على هذا البلد ليست موجودة في سواه من بلدان الجوار؛ حتّى تلك التي تحاول تسويق نفسها بأنّها ” المركز” لتلاقي الشعوب وحوار الأديان والثقافات.

تشير المعطيات المنشورة إلى انّ فخامة الرئيس جوزاف عون يتّجه إلى روما للقاء البابا لاوون الرابع عشر ورئيسة الحكومة الإيطاليّة جورجيا ميلوني. وهذا ما يعطي هذه الزيارة أبعادًا أكثر من كونها مجرّد زيارة بروتوكوليّة لأنّها على ما يبدو ستحمل رسائل سياسيّة على خلفيّة ملفّين جوهريّين: ملفّ الجنوب على طاولة المفاوضات، وملفّ اليونيفيل لدعم تطبيق مخرجات هذه المفاوضات.

أمّا لقاء البابا بالنسبة إلى عون ليس مجرد لقاء مع مرجعية دينية، فالفاتيكان يمتلك وزنًا دبلوماسيًا وأخلاقيًا خاصًا في الملف اللبناني، وخصوصًا في مسألة حماية صيغة لبنان وتعدديته والوجود المسيحي الحرّ فيه. فهذا اللقاء يحمل في طيّاته رسالتين:

الأولى: من فخامة الرّئيس الذي لا يريد للبنان أن يتحوّل إلى ساحة للصراع الإقليمي، ولا حتّى إلى دولة مارقة يرسم مستقبلها السياسي من الخارج.

الثانية: من قداسة البابا الذي سيعيد إحياء لبنان “الدّور”، بمعنى آخر أيّ دولة لا تلعب أيّ دور في محيطها تصبح ساقطة بفعل الأمر الواقع. وحتّى يمنع قداسته سقوط الدّولة اللبنانيّة سيعيد إحياء “لبنان الرسالة” من خلال دعم فكرة لبنان الدّولة، الفكرة التي يحملها فخامته، ولبنان التعدّديّة. مع حرص قداسته الكامل على عدم تموضع لبنان واصطفافه في محور دوليّ أو إقليميّ. بل فقط الدّور الذي ولد من أجله هذا الوطن عبر تاريخ وجوده كلّه.

وإذا كان الفاتيكان يمثل البعد الرمزي والروحي، فإن روما تمثل البعد السياسي والأمني المباشر؛ لأنّ إيطاليا بعد خبرتها في اليونيفيل معنيّة بشكل مباشر بمستقبل هذه القوّات. ولكنّ ذلك كلّه مرتبط بالدّور الذي تستطيع أن تلعبه هذه القوّات على أعتاب المسار الديبلوماسي الذي تستضيفه روما.

لكن المرفوض جملة وتفصيلًا إعادة إنتاج القوّات نفسها وبالدّور نفسه. إمّا أن تصبح قوّات فرض سلام بصلاحيّات أوسع وإمّا أيّ تجديد لها سيؤدّي حتمًا إلى تجديد دورها غير الفاعل الذي ثبت عبر السنين. وهذا ما يطرح السؤال: ماذا بعد اليونيفيل؟

فالمطلوب قوّة لمراقبة آليّة التنفيذ. لكن ما هو غير مقبول أن تكون هذه القوّات خارج أمرة مؤسسات الدّولة، ولاسيّما مؤسسة الجيش اللبناني. وهذا ما يتطلّب المزيد من إثبات الدّور والقدرة اللّتين حتى الساعة تبدوان بحالة عجز كي لا نقول غياب.

مع العلم أنّ انتهاء مهمة «اليونيفيل» في نهاية العام سيفتح بابًا خطيرًا. فالخوف من الفراغ الأمني سيدفع بقوى الأمر الواقع إلى ملئه. لذلك تبدو في هذه الحالة ضرورة قصوى للانتقال إلى الصيغة الجديدة المقترحة أقرب إلى الواقع للحفاظ على ما تبقّى من دور للدّولة في الجنوب، وهذا ما سيسمح لها بالبقاء على طاولة التفاوض.

الزيارة تأتي فيما الجنوب يعيش مرحلة شديدة الحساسية، ولا سيما مع استمرار التوتر حول علي الطّاهر الذي بات عقدة العقد. وهذا ما دفع إيران باستعماله ورقة ابتزاز وتفاوض جديدة مع مضيق هرمز. وهذه المسألةى مرفوضة أميركيًّا. ويبدو أنّ هذا ما سيسرّع العمل العسكري الإسرائيلي.

فزيارة إيطاليا هي محاولة جديدة من فخامة الرّئيس لنقل المسار من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض من جديد. لكنّ تصريحات مسؤولي المنظّمة ومشغّليها وارتفاع وتيرة تهديداتهم بانفجار الغضب في الوقت المناسب هي عمليّة إجهاض مسبق لجهود فخامته.

شبكة الحماية التي يحاول فخامته نسجها من بوابة الفاتيكان وروما تسير بالتوازي مع المسار الأميركي الذي يبدو أكثر تصلّبًا من المسار الأوروبي. فعلى ما يبدو أنّ فخامته يحاول نقل الاهتمام بلبنان إلى الميدان الأوروبي لتحريره تباعًا من السيطرة الأميركيّة ولبناء شرعيّة دوليّة أوسع.

وهذه المحاولة الديبلوماسيّة إن نجح فيها فخامة الرّئيس فهذا يعني عمليًّا أنّه نجح بنقل لبنان من كونه ساحة صراع “إيراني – إسرائيليّ” إلى دولة تستعيد دورها وتفاوض على امنها وسيادتها وترتيباتها الأمنيّة بهدف الوصول إلى الاستقرار. وهذا المسار وحده سيعيد الإعمار وسيسمح بإعادة هيكلة الدّولة اللبنانيّة بالكامل. بالتوازي مع المسار الأميركي. وعندها فقط تصبح الدولة اللبنانية هي الطرف الذي يتحدث مع الأميركي والإيطالي والفاتيكان والأمم المتحدة والإسرائيلي، بدل أن يبقى لبنان مجرد مساحة تتفاوض القوى الأخرى على مصيرها.

أمّا في حال تحوّل هذه الزيارة إلى مجرّد لقاء ديبلوماسي بنتائج شكليّة ورمزيّة فعندها لن يكون أمام لبنان سوى معادلة الأقوى في الميدان الذي سيوظّف نصره على طاولة التفاوض. وهكذا تكون منظّمة حزب الله قد أضاعت الفرصة على شعبها أوّلًا، وعلى اللبنانيّين كلّهم لاستعادة مسار الحياة في الدّولة. فلا عجب في ذلك ! مَن يبشّر بثقافة الموت لن يستطيع يومًا أخذ شعبه إلى الحياة!

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك