
كاتبة وناشطة سياسية
لبنان بين واشنطن و الطائف: هل تكفي الدبلوماسية لإنقاذ دولة أنهكها العرف قبل الدستور؟
خاص بوابة بيروت
بينما تتجه أنظار اللبنانيين إلى واشنطن، حيث يعقد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون سلسلة لقاءات مع الإدارة الأميركية في محاولة لتثبيت وقف إطلاق النار، واستكمال تنفيذ القرار 1701، والدفع نحو انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، واستعادة الزخم الدولي لدعم لبنان، يبرز في المقابل سؤال لا يقل أهمية عن الملفات المطروحة على طاولة المباحثات: هل تكمن أزمة لبنان في علاقاته الخارجية، أم في بنيته الداخلية؟
لا شك أن أي نجاح دبلوماسي يحقق حماية للسيادة اللبنانية أو يخفف من المخاطر الأمنية يُعد إنجازاً وطنياً يستحق الدعم. فلبنان يحتاج اليوم إلى استقرار سياسي وأمني أكثر من أي وقت مضى، كما يحتاج إلى استعادة ثقة المجتمع الدولي بعد سنوات طويلة من الفراغ الدستوري والانهيار الاقتصادي والعزلة السياسية. إلا أن التجربة اللبنانية منذ الاستقلال أثبتت أن الاتفاقات الدولية، مهما بلغت أهميتها، لم تكن يوماً كافية لبناء دولة قوية إذا بقيت مؤسساتها أسيرة الانقسامات الداخلية، والأعراف السياسية، والمحاصصة الطائفية.
لقد اعتاد اللبنانيون، منذ عقود، انتظار الحلول من الخارج؛ من قمم عربية، أو مبادرات دولية، أو مؤتمرات دعم، أو اتفاقات إقليمية. لكن التاريخ يبين أن معظم تلك المحطات كانت تنجح في وقف أزمة آنية، من دون أن تعالج الأسباب البنيوية التي أعادت إنتاج الأزمات نفسها بصورة متكررة. وهنا يكمن جوهر المشكلة: الأزمة اللبنانية ليست وليدة حرب أو حكومة أو عهد، بل هي نتيجة تراكم تاريخي لنظام سياسي تطورت فيه الأعراف حتى أصبحت، في كثير من الأحيان، أقوى من الدستور نفسه.
ولعل أبرز مثال على ذلك ما يعرف في الحياة السياسية اللبنانية بـ “الستة مكرر”، وهو تعبير شعبي وسياسي يُستخدم للإشارة إلى منظومة الأعراف التي وسّعت مفهوم تقاسم السلطة إلى ما هو أبعد من النصوص الدستورية، بحيث أصبحت المواقع الأساسية في الدولة، وكثير من المناصب الإدارية والقضائية والأمنية، تُدار وفق موازين المحاصصة الطائفية والتوافقات السياسية أكثر مما تُدار وفق معايير الكفاءة أو أحكام الدستور. وبمرور الوقت، لم يعد العرف استثناءً يفرضه الظرف السياسي، بل تحول إلى قاعدة غير مكتوبة تحكم الحياة العامة، حتى بات كثير من اللبنانيين يشعرون أن ما يُطبق عملياً هو “دستور موازٍ” يقوم على التسويات والمحاصصة، لا على النصوص القانونية وحدها.
ولا يهدف هذا الطرح إلى التقليل من أهمية اتفاق الطائف، الذي أنهى حرباً أهلية استمرت خمسة عشر عاماً وأسهم في إعادة توحيد مؤسسات الدولة، بل إلى التمييز بين النص الدستوري وبين كيفية تطبيقه خلال العقود اللاحقة. فالإشكالية التي يثيرها عدد كبير من الباحثين لا تكمن في الاتفاق بحد ذاته، وإنما في الممارسات السياسية التي رافقت تطبيقه، والتي أدت، مع مرور الزمن، إلى ترسيخ ثقافة المحاصصة وإضعاف مؤسسات الرقابة والمساءلة، وإلى توسع نفوذ الزعامات السياسية على حساب مفهوم الدولة الحديثة.
من هنا، لا يمكن قراءة زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن باعتبارها حدثاً دبلوماسياً معزولاً، بل يجب وضعها ضمن سياق تاريخي أوسع يمتد من اتفاق الطائف إلى الانهيار المالي، ومن أزمة الثقة بين المواطن والدولة إلى التحديات الإقليمية التي يعيشها لبنان اليوم. فالمعركة الحقيقية ليست فقط مع الاحتلال أو مع الأزمات الاقتصادية، بل أيضاً مع نموذج حكم أصبح عاجزاً عن إنتاج الاستقرار والإصلاح في آن واحد.
إن هذه الورقة لا تسعى إلى تقديم اتهامات أو تبرئة أي طرف سياسي، بل إلى قراءة تاريخية وتحليلية لمسار الدولة اللبنانية، انطلاقاً من سؤال أساسي: كيف انتقل لبنان من دولة كانت تُعرف بمؤسساتها التعليمية والمصرفية والإدارية إلى دولة تعاني انهياراً مالياً، وهجرةً واسعة، وتراجعاً في الثقة بمؤسساتها؟ وهل يكفي أي دعم خارجي لإعادة بناء الدولة إذا بقيت آليات الحكم نفسها قائمة دون مراجعة أو إصلاح؟
للإجابة عن هذه الأسئلة، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للنظام السياسي اللبناني، وتتبع تطور الأعراف الدستورية، وفهم كيفية تحول الطائفية السياسية من صيغة مؤقتة لإدارة التنوع إلى بنية دائمة أثرت في الإدارة والقضاء والاقتصاد، وصولاً إلى الأزمة الراهنة والخيارات المتاحة أمام اللبنانيين لبناء دولة أكثر عدالة وكفاءة.
الجذور التاريخية: عندما سبق العرف الدستور
لفهم الأزمة اللبنانية الراهنة، لا يكفي التوقف عند الانهيار المالي أو الخلافات السياسية التي تطفو على السطح مع كل استحقاق دستوري، بل يجب العودة إلى المراحل التي تشكّل خلالها النظام السياسي اللبناني، وكيف تطورت الأعراف السياسية تدريجياً حتى أصبحت، في كثير من الأحيان، أكثر تأثيراً من النصوص الدستورية نفسها.
إن لبنان، بحكم موقعه الجغرافي وتنوعه الديني والثقافي، لم يكن يوماً دولة بسيطة في تركيبتها السياسية. فمنذ أواخر العهد العثماني، اعتمدت السلطة المركزية في إدارة جبل لبنان على نظام يمنح الطوائف دوراً أساسياً في الحكم والإدارة، في محاولة للحفاظ على الاستقرار بعد أحداث عام 1860. وقد أسهم نظام المتصرفية، رغم نجاحه النسبي في الحد من الصراعات آنذاك، في ترسيخ فكرة تمثيل الجماعات الدينية داخل السلطة، بدلاً من ترسيخ مفهوم المواطنة المتساوية.
ومع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، ثم صدور دستور عام 1926 في ظل الانتداب الفرنسي، وُلدت مؤسسات الدولة الحديثة، لكن الممارسة السياسية بقيت متأثرة بالتوازنات الطائفية التي كانت تحكم المجتمع. صحيح أن الدستور نص على المساواة بين المواطنين، إلا أن الواقع السياسي سار في اتجاه مختلف، حيث استمرت الاعتبارات الطائفية في التأثير على تشكيل الحكومات والإدارات العامة.
ثم جاء الميثاق الوطني عام 1943 ليشكل محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية اللبنانية. فقد قام على تفاهم غير مكتوب بين القيادات المسيحية والإسلامية، يقوم على شراكة وطنية متوازنة، وعلى رفض الوصاية الأجنبية شرقاً وغرباً. وقد نجح هذا التفاهم في تثبيت الاستقلال وإرساء قدر من الاستقرار السياسي لعقود، لكنه بقي قائماً على العرف السياسي أكثر منه على النصوص الدستورية، الأمر الذي جعل تفسيره وتطبيقه يخضعان لتوازنات القوى أكثر مما يخضعان لقواعد قانونية واضحة.
ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، ظهرت بوضوح حدود هذا النظام، بعدما تحولت الانقسامات السياسية والطائفية إلى صراع مسلح استمر خمسة عشر عاماً، وأدى إلى انهيار مؤسسات الدولة، واستدعاء تدخلات إقليمية ودولية متعددة، دفعت ثمناً باهظاً له الدولة والمجتمع على حد سواء.
اتفاق الطائف: إنهاء الحرب أم إدارة الأزمة؟
في عام 1989، جاء اتفاق الطائف ليضع حداً للحرب الأهلية، ويعيد توزيع الصلاحيات بين السلطات الدستورية، ويؤكد المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في مجلس النواب، مع النص، في مقدمته، على هدف وطني أساسي يتمثل في العمل على إلغاء الطائفية السياسية تدريجياً من خلال إنشاء هيئة وطنية تتولى وضع الآليات المناسبة لتحقيق هذا الهدف.
إلا أن هذا البند، الذي اعتبره كثيرون أحد أهم عناصر الإصلاح في الاتفاق، بقي معلقاً ولم يدخل حيز التنفيذ حتى اليوم، بينما استمرت آليات تقاسم السلطة بالتوسع، وأصبحت المحاصصة السياسية أكثر حضوراً في مؤسسات الدولة.
ومع مرور السنوات، تطورت ممارسات سياسية لم ينص عليها الدستور صراحة، لكنها أصبحت جزءاً من الحياة السياسية اللبنانية. ولم يعد توزيع المسؤوليات يقتصر على الرئاسات الثلاث، بل امتد إلى المناصب الإدارية العليا، والهيئات العامة، والمؤسسات الأمنية، والإدارات، وحتى بعض المواقع القضائية، وفق اعتبارات سياسية وطائفية متشابكة.
ومن هنا، ظهر في الخطاب السياسي والإعلامي اللبناني تعبير “الستة مكرر”، وهو ليس مصطلحاً دستورياً، بل توصيف شعبي يشير إلى اتساع نطاق المحاصصة إلى ما هو أبعد من النصوص القانونية، بحيث أصبحت موازين القوى والتوافقات السياسية تتحكم في عدد كبير من التعيينات والقرارات، حتى بات كثير من اللبنانيين يتحدثون عن وجود “دستور غير مكتوب” يقوم على الأعراف أكثر مما يقوم على أحكام الدستور.
من التوازن إلى الشلل المؤسسي
في الأنظمة الديمقراطية، تشكل الأعراف الدستورية أحياناً وسيلة لتسهيل عمل المؤسسات عندما تكون منسجمة مع الدستور وروحه. أما في الحالة اللبنانية، فيرى عدد من الباحثين أن توسع الأعراف السياسية أدى تدريجياً إلى نتائج معاكسة، إذ أصبحت آليات التوافق تُستخدم أحياناً لتعطيل المؤسسات أو تأخير الاستحقاقات الدستورية، وتحول مبدأ الشراكة إلى أداة تفاوض على الحصص أكثر من كونه إطاراً لاتخاذ القرار.
وقد انعكس ذلك على تشكيل الحكومات، وانتخاب رؤساء الجمهورية، والتعيينات في الإدارة العامة، وأداء المؤسسات الرقابية، ما أدى إلى بطء اتخاذ القرار، وإضعاف فعالية الدولة، وتراجع ثقة المواطنين بمؤسساتها.
ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة تقتصر على الطائفية السياسية كمفهوم، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بثقافة سياسية رسخت فكرة أن بقاء النظام القائم هو الضمانة الوحيدة للاستقرار، رغم أن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية كانت تنذر بتآكل هذا الاستقرار عاماً بعد عام.
وهنا يبرز السؤال الطبيعي: إذا كانت هذه البنية السياسية قد استمرت لعقود، فما الذي أدى إلى انفجارها بهذا الشكل بعد عام 2019؟
لفهم ذلك، لا بد من الانتقال إلى المحطة التي شكّلت نقطة التحول الكبرى في تاريخ لبنان الحديث، وهي انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول، وما تلاها من انهيار مالي غير مسبوق غيّر حياة اللبنانيين، وفتح الباب أمام واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في تاريخ البلاد.
ثورة 17 تشرين… كيف انتقلت كلفة الانهيار من الدولة إلى الشعب؟
إذا كان الفصلان السابقان قد بيّنا كيف تطورت الطائفية السياسية والأعراف الدستورية حتى أصبحت تحكم الدولة أكثر من النصوص القانونية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: متى بدأ هذا النظام يفقد قدرته على الاستمرار؟
بالنسبة لكثير من اللبنانيين، كانت الإجابة في السابع عشر من تشرين الأول عام 2019.
لم تكن انتفاضة او ثورة 17 تشرين مجرد احتجاج على رسم ضريبي أو أزمة معيشية، بل كانت تعبيراً عن تراكم غضب عمره ثلاثة عقود من المحاصصة والفساد وسوء الإدارة. وللمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الأهلية، خرج اللبنانيون من مختلف الطوائف والمناطق إلى الساحات تحت راية واحدة، مطالبين بدولة المواطنة، واستقلال القضاء، واستعادة الأموال العامة، ومحاسبة المسؤولين، وإنهاء نظام المحاصصة الذي حوّل الدولة إلى مجموعة حصص تتقاسمها القوى السياسية.
لقد شعر اللبنانيون آنذاك بأن فرصة تاريخية قد وُلدت، وأن ميزان القوى الشعبي بدأ يميل لمصلحة التغيير الحقيقي.
لكن هذه اللحظة لم تستمر طويلاً.
من الثورة إلى إدارة الأزمة
يرى كثير من المشاركين في ثورة 17 تشرين أن الحراك تعرض تدريجياً لاختراقات وانقسامات أفقدته وحدته الأولى. فمع توسع الاحتجاجات، دخلت قوى سياسية وتنظيمية مختلفة إلى الساحات، وظهرت خلافات في الأولويات وآليات العمل، وتراجع الخطاب الوطني الجامع الذي ميّز الأيام الأولى للانتفاضة.
ووفق هذه القراءة، فإن أخطر ما حدث لم يكن فقط تفكيك الحراك الشعبي، بل إدارة المرحلة التي تلته بطريقة نقلت كلفة الانهيار المالي بالكامل تقريباً إلى المواطن اللبناني.
فبينما كان الناس يطالبون بمحاسبة المسؤولين واستعادة الأموال المنهوبة، كانت الأزمة المالية تتسارع بوتيرة غير مسبوقة. انهارت قيمة الليرة اللبنانية، وارتفعت الأسعار بصورة جنونية، ورُفع الدعم تدريجياً عن السلع الأساسية، فيما أصبحت الودائع المصرفية عملياً خارج متناول أصحابها.
وهكذا، تحولت المطالبة بإصلاح النظام إلى معركة يومية من أجل البقاء.
من أفلس فعلاً؟
هنا تكمن المفارقة التي لا تزال تثير نقاشاً واسعاً حتى اليوم.
فالدولة اللبنانية كانت تعاني أصلاً من أزمة مالية ودين عام مرتفع قبل عام 2019، لكن ما حصل بعد ذلك جعل شريحة واسعة من اللبنانيين تعتبر أن الانهيار لم يؤد فقط إلى إفلاس الدولة، بل إلى إفلاس المجتمع نفسه وسرقة أموال الشعب .
فالطبقة الوسطى، التي كانت تمثل العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، خسرت الجزء الأكبر من مدخراتها. آلاف العائلات التي ادخرت طوال سنوات عملها لم تعد قادرة على الوصول إلى أموالها إلا ضمن قيود مصرفية مشددة، أو عبر سحبها بالليرة اللبنانية وفق أسعار صرف أدت إلى خسارة جزء كبير من قيمتها الفعلية.
وفي المقابل، بقي الجدل قائماً حول التحويلات المالية التي خرجت من لبنان في المراحل الأولى من الأزمة، وحول مدى عدالة توزيع الخسائر بين الدولة، والقطاع المصرفي، وكبار المودعين، وصغار المودعين. وقد عزز ذلك شعوراً عاماً لدى المواطنين بأنهم كانوا الطرف الذي تحمل العبء الأكبر، بينما لم تتحقق حتى اليوم محاسبة شاملة أو توزيع عادل للخسائر.
ومن هنا، انتشرت بين اللبنانيين عبارة اختصرت تلك المرحلة: «لم تُفلس الدولة… بل سُرقت أموال الشعب». فقد سددت الدولة ديونها على أساس سعر صرف 1500 ليرة لبنانية للدولار، في وقتٍ كان سعر الدولار في السوق قد تجاوز 80 ألف ليرة لبنانية، ما أدى إلى خسائر فادحة تكبّدها أصحاب الودائع والمواطنون
الانتخابات النيابية: اختبار التغيير الأول
رغم هذا الواقع، لم تتراجع رغبة اللبنانيين في التغيير. فقد جاءت الانتخابات النيابية لعام 2022 وسط قناعة واسعة بأن صناديق الاقتراع قد تكون الفرصة الأخيرة لإحداث خرق في بنية النظام السياسي.
وكان المزاج الشعبي واضحاً: البحث عن وجوه جديدة، بعيدة عن الطبقة السياسية التي حكمت البلاد منذ اتفاق الطائف. ولهذا تمكن مرشحون مستقلون وقوى تغييرية من تحقيق نتائج لافتة، وأوصلوا ثلاثة عشر نائباً إلى المجلس النيابي، في سابقة لم يشهدها لبنان منذ عقود.
غير أن كثيراً من المراقبين اعتبروا أن هذا التمثيل لم يعكس الحجم الحقيقي للرغبة الشعبية في التغيير. فقد دخلت القوى المستقلة الانتخابات بإمكانات مالية وتنظيمية محدودة، في مواجهة أحزاب تمتلك ماكينات انتخابية راسخة، وشبكات خدمات ونفوذاً متراكماً منذ سنوات طويلة.
كما أن تشتت اللوائح المستقلة في عدد من الدوائر، إضافة إلى تعقيدات القانون الانتخابي وآلية احتساب الأصوات التفضيلية، حدّ من قدرة القوى الجديدة على تحويل نسبة التأييد الشعبي إلى عدد أكبر من المقاعد النيابية.
وبمعنى آخر، نجحت الانتخابات في إظهار وجود قاعدة شعبية واسعة تطالب بالتغيير، لكنها كشفت في الوقت نفسه مدى صعوبة إحداث تحول سياسي جذري ضمن قواعد اللعبة نفسها.
الدرس الذي لم يُستوعب
ربما يكون أهم ما كشفته تجربة 17 تشرين أن تغيير الوعي الشعبي لا يكفي وحده لتغيير النظام.
فالمنظومة التي بُنيت على مدى عقود لم تكن تعتمد فقط على النفوذ السياسي، بل أيضاً على شبكة متشابكة من القوانين، والأعراف، والإمكانات المالية، والقدرات التنظيمية، ما جعل إسقاطها أكثر تعقيداً من مجرد الفوز بعدد من المقاعد النيابية.
ولهذا، فإن السؤال الذي يواجه اللبنانيين اليوم لم يعد: هل نريد التغيير؟ بل أصبح: كيف يمكن تحقيق هذا التغيير ضمن نظام صُمم أصلاً ليعيد إنتاج نفسه؟
وهذا هو السؤال الذي يقودنا إلى الفصل التالي، حيث يتجلى أثر هذه البنية السياسية في الانقسام الداخلي المستمر، وفي استمرار ثقافة “فرّق تسد” التي ما زالت تتحكم بالحياة السياسية اللبنانية حتى اليوم.
بين سياسة “فرّق تسد” والطائفية السياسية… هل ما زالت الدولة ممكنة؟
إذا كانت ثورة السابع عشر من تشرين قد كشفت عمق الأزمة الاقتصادية، فإن المرحلة التي تلتها كشفت أزمة أشد خطورة، وهي أزمة الهوية الوطنية. فلبنان اليوم لا يعيش فقط انقساماً سياسياً، بل يعيش انقساماً في تعريف الدولة نفسها، وفي مفهوم السيادة، وفي تحديد الأولويات الوطنية.
لقد تحولت الطائفية السياسية، التي كان يفترض أن تكون مرحلة انتقالية نص عليها اتفاق الطائف تمهيداً لإلغائها، إلى بنية متجذرة في الحياة العامة. ومع مرور الوقت، لم يعد الانقسام قائماً على البرامج الاقتصادية أو الاجتماعية، بل أصبح قائماً على الانتماءات الطائفية، والتحالفات الإقليمية، والولاءات السياسية، حتى بات اللبناني يُصنَّف، في كثير من الأحيان، وفق موقعه من المحاور الخارجية أكثر مما يُصنَّف وفق رؤيته لبناء الدولة.
وهنا تتجلى بوضوح سياسة “فرّق تسد” التي رافقت الحياة السياسية اللبنانية لعقود. فكلما تعمقت الانقسامات، ازدادت قدرة القوى السياسية على الحفاظ على قواعدها الشعبية، من خلال تغليب منطق الخوف على منطق المواطنة. وأصبح الاختلاف السياسي يُترجم سريعاً إلى اتهامات متبادلة بالتبعية أو الخيانة، بدلاً من أن يكون اختلافاً مشروعاً في الرؤى والبرامج.
واليوم، يبدو هذا المشهد أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فهناك فريق يرى أن أولوية المرحلة هي حصر السلاح بيد الدولة وتنفيذ القرارات الدولية وتعزيز سلطة المؤسسات الشرعية، ويؤيد التوجه الذي يقوده رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في هذا المسار. وفي المقابل، يرى فريق آخر أن سلاح المقاومة يبقى جزءاً من معادلة الدفاع عن لبنان في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية، وأن أي نقاش حوله يجب أن يأخذ في الاعتبار الاعتبارات الأمنية والإقليمية.
وبين هذين الموقفين، يبقى المواطن اللبناني عالقاً بين رؤيتين مختلفتين لمستقبل الدولة، بينما تستمر مؤسساتها في مواجهة تحديات كبيرة، من ضعف الإدارة العامة إلى الأزمة الاقتصادية، ومن تراجع الخدمات الأساسية إلى استمرار هجرة الكفاءات.
إن استمرار هذا الانقسام لا يرهق الحياة السياسية فحسب، بل ينعكس أيضاً على قدرة الوزارات والإدارات العامة على تنفيذ الإصلاحات، وعلى جذب الاستثمارات، وعلى استعادة ثقة المواطنين والدول الصديقة. فالدولة التي تعيش انقساماً دائماً تجد صعوبة في وضع سياسات طويلة الأمد، لأن كل استحقاق يتحول إلى ساحة مواجهة جديدة.
لكن، رغم هذا الواقع، يبقى السؤال الذي لا يمكن للبنان أن يهرب منه:
هل يستطيع اللبنانيون استعادة فكرة المواطنة قبل استعادة الدولة؟
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهض عندما ينتصر فريق على آخر، بل عندما يقتنع الجميع بأن القانون يجب أن يكون المرجعية الوحيدة، وأن المؤسسات الوطنية هي الإطار الجامع لجميع المواطنين، مهما اختلفت انتماءاتهم السياسية أو الدينية.
ولعل التحدي الأكبر أمام القوى التغييرية والمجتمع المدني اليوم لا يكمن فقط في الفوز بمقاعد نيابية إضافية، بل في إعادة بناء ثقافة المواطنة، وإقناع اللبناني بأن شريكه في الوطن ليس خصمه، وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام وطني دائم.
ويبقى السؤال الأخير، وهو السؤال الذي سيحدد مستقبل الجمهورية أكثر من أي استحقاق خارجي:
هل يستطيع اللبنانيون الانتقال من دولة الأعراف والمحاصصة إلى دولة الدستور والمؤسسات؟ وهل تستطيع الوزارات والإدارات العامة أن تستعيد دورها الطبيعي في خدمة المواطن بعيداً عن الزبائنية والمحاصصة السياسية؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين لن تأتي من واشنطن، ولا من أي عاصمة أخرى، بل ستتوقف أولاً على قدرة اللبنانيين أنفسهم على إعادة الاعتبار للمصلحة الوطنية، وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة، والمساءلة، وسيادة القانون، باعتبارها الأساس الذي لا غنى عنه لأي نهوض اقتصادي أو سياسي مستدام.
لقد أنهكت الطائفية السياسية مؤسسات الدولة، وأرهق الانقسام المجتمع، لكن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تموت عندما تختلف شعوبها، بل عندما تفقد إيمانها بإمكانية العيش معاً. ويبقى الرهان الحقيقي على اللبنانيين أنفسهم: هل يختارون البقاء أسرى الانقسام، أم يكتبون معاً فصلاً جديداً عنوانه المواطنة والدولة؟
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير