
مدير التحرير
عودة البطريرك الحويّك و لبنان الكبير من الديمان
من الحلم إلى الدولة... ومن الوحي إلى الحاجة التاريخية
خاص بوابة بيروت
في كلّ مرّة يعود فيها اسم البطريرك المكرّم إلياس بطرس الحويّك إلى الواجهة، لا يعود بوصفه رجل دين فحسب، بل بوصفه أحد كبار صنّاع تاريخ الكيان اللبناني الحديث. فللحويك الفضل الكبير بتأطير الكيانية اللبنانية جغرافيًّا. وتأتي مراسم تطويبه في الديمان مناسبةً لا لإحياء ذكرى رجلٍ مضى، بل لإعادة فتح ملفّ المشروع الذي حمله منذ أكثر من قرن: مشروع لبنان الذي سبق قيام دولته في الوعي قبل أن يولد على الخرائط.
فالحويّك لم يكن سياسيًا بالمعنى التقليدي، ولم يكن قائدًا عسكريًا، بل كان رجل رؤية. والرؤى الكبرى لا تُقاس بحدود الزمن الذي وُلدت فيه، بل بقدرتها على الاستمرار أو الفشل بعد أصحابها. لا بل هذه الرؤية كانت وحيًا إلهيًّا، فلن تموت. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي في ذكرى تطويبه ليس: ماذا فعل الحويّك؟ بل: ماذا بقي من لبنان الذي أراده؟
البطريرك الذي واجه السلطنة لا بالسلاح بل بإرادة البقاء
لم يكن لبنان في أواخر العهد العثماني يعيش أزمة حكم فحسب، بل كان يواجه أزمة وجود. وقد جاءت مجاعة جبل لبنان بين عامي 1915 و1918 لتكشف الوجه الأكثر قسوة للسياسات العثمانية، بعدما فُرض الحصار على الجبل، ومنعت المؤن، فسقط مئات الآلاف بين جوع ومرض وهجرة.
في تلك المرحلة، تحوّل البطريرك الحويّك إلى صوت شعبٍ كامل. لم يكتفِ بإدانة المأساة، بل جعل من قضية لبنان قضيةً دولية، فكان يتواصل مع الفاتيكان، ومع القوى الغربية، ويُحضّر منذ تلك السنوات لما بعد انهيار السلطنة. لقد أدرك أن نهاية الدولة العثمانية ليست نهاية مرحلة سياسية فقط، بل فرصة تاريخية لإعادة رسم الكيان اللبناني. وفي هذه اللحظة بالتحديد ولد لبنان الكبير.
من مقاومة المجاعة إلى ولادة فكرة لبنان الكبير
حين توجّه الحويّك إلى مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، لم يحمل معه مطالب طائفة، بل حمل مشروع وطن. كيف لا وهو طائفته الوطن اللبناني. هكذا صرخ في مؤتمر الصلح يوم سئل أيّ طائفة من طوائف لبنان يمثّل فقال: طائفتي لبنان. الوثائق التي قدّمها للمؤتمر لم تكن مجرّد مذكّرات سياسية، بل رؤية جغرافية واقتصادية وإنسانية متكاملة. وقد أرفقها بخريطة للبنان الذي رآه قابلًا للحياة، تمتد شمالًا حتى منطقة بحيرة حمص، وجنوبًا حتى بحيرة الحولة، بما يؤمّن للدولة الجديدة عمقًا اقتصاديًا ومائيًا واستراتيجيًا يتجاوز حدود المتصرفية الضيقة. ويؤمّن للدولة التعدّديّة التي أرادها الحويّك حيادًا طبيعيًّا مسيّجًا بالأنهار والبحيرات والجبال والبحر.
قد لا تكون هذه الحدود قد اعتُمدت لاحقًا، حيث عاد المطران عبد الله خوري من باريس سنة 1920 بالحدود الحاليّة من دون أن يعرف سبب تقليصها عن تلك التي رسمها الحويّك. لكن اللافت أنّ الحويّك كان يفكّر بالدولة من منظور شروط بقائها، لا من منظور حجمها.
هل كانت فكرة لبنان الكبير وحيًا تاريخيًا؟
يصعب قراءة مشروع الحويّك بمنطق السياسة وحدها. فالسياسيون عادةً يبنون على موازين القوى، أمّا الحويّك فبنى على فكرةٍ سبقت موازين القوى. لقد آمن بأن لبنان ليس تجمّعًا طائفيًا، بل رسالة حضارية.
وهذه الفكرة تكاد تلامس مفهوم “الوحي التاريخي”، أي تلك اللحظة التي يلتقي فيها الإيمان مع ضرورات التاريخ، فيولد مشروع يبدو سابقًا لعصره.
ولذلك لم يكن لبنان الكبير بالنسبة إليه مجرّد توسّع جغرافي، بل انتقالًا من منطق الحماية الطائفية إلى منطق الشراكة الوطنية. ولعلّ في هذا تكمن عبقريته؛ إذ رأى ما لم يكن الآخرون قد رأوه بعد.
الحياد الطبيعي… المشروع الذي اختبأ داخل الخريطة
إذا تأمّلنا في فلسفة الحدود التي رسمها الحويّك، نجد أنّها لم تكن حدودًا توسعية بالمعنى الإمبراطوري، بل حدودًا تؤمّن مقوّمات الاكتفاء والبقاء حيث شكّلت فيها قمم الجبال والنهر والبحيرات عامل الحياد الجغرافي الطبيعي. فالدولة التي تمتلك منافذها البحرية، ومياهها، وسهولها الزراعية، لا تحتاج إلى التوسّع، ولا إلى الارتهان، ولا إلى الدخول في محاور الآخرين.
ومن هنا يمكن القول إن الحويّك، وإن لم يستخدم مصطلح “الحياد” بالصيغة الدستورية التي تُطرح اليوم، فإن مشروعه الجغرافي كان يحمل في جوهره حيادًا طبيعيًا؛ لأن الدولة القادرة على الحياة بذاتها تصبح أقلّ حاجةً إلى الاحتماء بالخارج. وهذا ما يجعل قراءة مشروعه اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى.
حيث أخفق المشروع… النظام السياسي لا الجغرافيا
غير أنّ المشكلة الكبرى لم تكن في فكرة لبنان الكبير، بل في كيفية تنظيمه. لقد نجح الحويّك في رسم الدولة، لكنه لم يرسم نظامها السياسي. وهنا بدأ الخلل. فالانتداب الفرنسي، الذي تولّى بناء المؤسسات، أسّس نظامًا قائمًا على المحاصصة الطائفية أكثر ممّا أسّسه على فلسفة الشراكة الوطنية.
لقد ترك الحويّك للبنان تعدديته، لكن الفرنسيين حوّلوا هذه التعددية إلى آلية تقاسم للسلطة بدل أن تكون مصدر غنى حضاري. ومن هنا بدأت أزمة الجمهورية، لأنّ النظام لم يُصمَّم ليستوعب التنوّع، بل لإدارته بصورة مؤقتة. ومع مرور الزمن، تحوّل المؤقت إلى دائم، وأصبح النظام نفسه مصدر الأزمات.
النصيحة الفرنسية… بين الواقعية السياسية وضيق الأفق
تنقل عدة مذكّرات وشهادات تاريخية، وإن بصيغ متقاربة لا متطابقة، أنّ مسؤولين فرنسيين حذّروا البطريرك الحويّك من توسيع لبنان، وقالوا له ما معناه:” ابقوا موارنة كبارًا في لبنان الصغير، بدل أن تصبحوا صغارًا في لبنان الكبير.” وكان جواب الحويّك، بالفعل لا بالقول، أنّ قيمة لبنان لا تُقاس بحجم الأكثرية العددية، بل بقدرة الدولة على احتضان الجميع. لقد اختار الوطن على الطائفة. واختار الرسالة على الامتياز.
هل لا يزال لبنان الحويّك حيًّا؟
بعد أكثر من قرن، يبدو أنّ لبنان الكبير ما زال قائمًا على الخريطة، لكن فلسفته تعرّضت للاهتزاز. فالحياد الذي أراده تحوّل إلى انخراط في صراعات الآخرين. والتعددية التي حلم بها تحوّلت إلى انقسامات متقابلة. والدولة التي أرادها إطارًا جامعًا أصبحت، في كثير من الأحيان، ساحةً لتوازنات القوى.
وربما آن الأوان للعودة إلى الحويّك، لا لاستنساخ الماضي، بل لاستكمال ما لم يكتمل. فإذا كان قد أنجز الجغرافيا من خلال الكيانيّة اللبنانيّة، فإنّ الأجيال اللاحقة مطالبة بإنجاز الدولة. وإذا كان قد أسّس لفكرة التعددية، فإنّ المرحلة المقبلة قد تقتضي تطويرها ضمن نظامٍ اتحادي (فيدرالي) يحفظ وحدة الكيان، ويمنح مكوّناته القدرة على إدارة تنوّعها من دون أن يتحوّل هذا التنوّع إلى صراع على السلطة.
فالحياد، والتعددية، واللامركزية أو الاتحاد، ليست مشاريع متنافسة، بل قد تكون حلقات متكاملة في استعادة فلسفة الحويّك الأصلية. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه في زمن التحوّلات الكبرى.: هل مات لبنان الحويّك؟
أغلب الظن أنّ الأوطان لا تموت عندما تفشل أنظمتها، بل عندما تتخلّى عن الفكرة التي أنشأتها. ولذلك، فإن لبنان الحويّك لا يزال حيًّا، ما دام هناك من يؤمن بأن هذا الوطن لم يُخلق ليكون ساحةً، بل رسالة؛ ولم يُرَد له أن يكون تابعًا، بل محايدًا؛ ولم يُبنَ ليحكمه الغالب والمغلوب، بل ليكون وطنًا يتّسع للجميع.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير