
مدير التحرير
خاص بوابة بيروت
تسلك سبل القضاء على هذه الحركات، التي مع عولمة الفكر أضحت جهاديّة عالميّة هي الأخرى، المناحي المحلّيّة والأمميّة. لم تعد تقتصر مسؤوليّة القضاء عليها على الدّول التي نشأت فيها ودمّرت ونمت على حسابها. لأنّها بكلّ بساطة باتت خطرًا أمميًّا. لذلك وجب القضاء عليه بالذراع الأمميّة.
السبل الأمميّة
ففي واشنطن، عاصمة القرار، لم تعد مواجهة هذه التنظيمات تقتصر على ملاحقاتها وتدميرها، بل أضحت هذه المواجهة مواجهة فكريّة عادت إلى القضاء على جذورها الفكريّة. ففي الأشهر الأخيرة، شهد الكونغرس الأميركي سلسلة جلسات استماع ومؤتمرات تناولت تطور التهديدات العابرة للحدود بعد مرور خمسة وعشرين عامًا على هجمات الحادي عشر من أيلول، وناقشت مدى جهوزية الولايات المتحدة وحلفائها لمواجهة ما وُصف بـ”الجيل الجديد من التهديدات”.
كما عُقدت لقاءات متخصصة ركزت على سبل مواجهة التطرف العنيف والشبكات الأيديولوجية التي تتجاوز الحدود الوطنية، بمشاركة مشرّعين وخبراء في الأمن القومي ومسؤولين معنيين بمكافحة الإرهاب، حيث تكررت الدعوة إلى الانتقال من الاكتفاء بالمقاربة العسكرية إلى استراتيجية أشمل تقوم على تجفيف منابع التطرف، ومكافحة التمويل، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وترسيخ قيم الدولة الديمقراطية وسيادة القانون.
وفي موازاة ذلك، أعادت لجان الاستخبارات في مجلسي النواب والشيوخ تقييم توصيات لجنة 11 أيلول في ضوء التحولات التي شهدها الإرهاب الدولي، مؤكدة أن المواجهة لم تعد مع تنظيمات محددة بقدر ما أصبحت مع أيديولوجيات عنيفة قادرة على إعادة إنتاج نفسها بأشكال وأساليب جديدة.
كيف تُهزم هذه الأيديولوجيا؟
لا تهزم هذه الأيديولوجيا بالآلة العسكريّة فقط، التي تعتبر ضرورة أساسيّة لأنّ هذه التنظيمات تستعمل السلاح لنشر أفكارها. بل يجب هزيمتها بالفكر والتربية أيضًا. وهذا المسار أطول بكثير من المسار العسكري الذي يمكن أن ينتهي بلحظات. وحدها الدّولة تعتبر الشخص المعنوي القادر على بناء فكر يقوم على الثقافة المؤسساتيّة والقانونيّة.
والدّولة قادرة أن تؤمّ، التربية والتعليم بعيدًا من التطرّف والإرهاب الذي ينشّئ عليه الأطفال في مغاسل العقول التي تسمّى مدارس. وهذا ما سيسمح بتجدّد الخطاب الدّيني بعيدًا من التطرّف والإرهاب.
وهذه التجربة التي نجحت دول الخليج العربي بتحقيقها في العقدين المنصرمين، حيث حقّقت نقلة نوعيّة بفضل رؤى قادتها، وقدرتهم على نقل شعوبهم من التخلّف إلى التمدّن بالنمذجة والإقناع، وليس بالقوّّة لا النّاعمة ولا الصلبة. وهذا ما قطع الطريق على كلّ فكر متطرّف يبحث عن فراغ لينمو فيه. فسدّت الدّول القويّة التي تعمل على تطوير رؤى المستقبل هذه المنافذ كلّها.
إن المدرسة، والجامعة، والأسرة، والمؤسسة الدينية، والإعلام، والثقافة، جميعها تشكل خطوط الدفاع الأولى. فالتطرف لا يولد في ساحة المعركة، بل يبدأ غالبًا بفكرة تُزرع في العقل قبل أن تتحول إلى فعل على الأرض. ولكن متى فشلت هذه المؤسسات كلّها، او متى نجح هذا الفكر بإفشالها أوجد بيئة خصبة لينمو فيها. وهكذا حدث.
لبنان ورسالة المستقبل
ظنّ بعضهم أنّ البابا يوحنّا بولس الثاني هو رجل دين فعليه فقط أن يتعاطى بالشأن الدّيني. لقد أغفل هؤلاء أنّ الدّول التي تفرغ من القيم الرّوحية يغلب فيها التطرّف والإرهاب أو تجنح بيساريّـها نحو حريّة غير محدودة تحت ذريعة الحقّ الإنساني بالتحرّر. فتحرّر الإنسان فيها من إنسانيّته أوّلًا ويلجأ إلى ممارسات بعكس الطبيعة البشريّة. وهذه لا تقل خطورة عن الجهاديّة الأمميّة، فهي وجه آخر لها لكن أكثر فلسفة وتمدّنًا.
فلبنان برسالته الوجوديّة إنّما أتى ردًّا على هذه النماذج كلّها. لذلك دأبت على القضاء على فكرته الوجوديّة تحت مسميات مختلفة. لكن بنهاية المطاف زال مَن زال منها، ومَن بقي حتّى لحظة كتابة هذه السطور إنّما أضحى في طور الزّوال. فهذا هو مسار التّأريخ الطبيعي للأمور. وكلّ من يسير بعكس هذا المسار التّاريخي هو ساقط حتمًا. هكذا علّمتنا تجارب التّاريخ.
وهذا ما أكده الإمام محمد مهدي شمس الدين عندما شدد على أن الدولة هي الإطار الجامع لكل اللبنانيين، وأن الانتماء الوطني هو الأساس الذي يلتقي عليه المواطنون على اختلاف انتماءاتهم. وهي الفكرة نفسها التي دافع عنها رجال دولة ومفكرون من مختلف الطوائف، لأنهم أدركوا أن مستقبل لبنان لا يبنى إلا بدولة عادلة وسيدة، لا بمشاريع عابرة للحدود.
واليوم، يقف لبنان أمام فرصة جديدة لاستعادة دوره إذا نجح في ترسيخ مؤسساته، وتعزيز سيادته، وتجنيب نفسه صراعات المحاور، وبناء ثقافة سياسية تجعل المواطنة هي الهوية الجامعة. ولا سيّ/ا إذا جعل من نموذجه نموذجًا في القضاء على هذه الجهاديّة بوجهها اللبناني.
انتصار الدولة هو انتصار الإنسان
المعركة على الجهاديّة الدّوليّة ليست معركة على دين أو شعب، بل هي معركة على أيديولوجيا حوّلت الإنسان إلى سلعة لخدمتها. وصار مشروعها مشروع اللادولة، لا يعترف بالقانون ولا حتّى بكرامة البشر.
فأضحى الموت في سبيل الأيديولوجيا هدفًا يرتجى، لا بل يعتبر مكسبًا وصاحبه ينعم بالسعادة الأبديّة. وهكذا تمّ ضرب قدسيّة الشهادة التي لطالما شكّلت عماد الدّفاع عن الأوطان والشعوب.
صحيح أنّ بعض الأيديولوجيّات بدت عصيّة عن السقوط في بعض مراحل التّاريخ. لكن التاريخ بحدّ ذاته يعرف كيف يصوّب مساره. وهنا يبرز التدخّل الإلهي الذي يعرف كيف يحافظ على توازن هذا الكون الذي صنعه بذاته ولذاته ولذات الإنسان أيضًا، الذي هو أسمى مخلوقاته.
لذلك، هذه الأيديولوجيّات كلّها لاقت المصير المشترَك، وانتصر الانسان بنهاية المطاف، وسادت ثقافة حقوق الانسان والدّولة والمؤسسات لأنّ أقوى سلاح في مواجهة التطرّف ليس الكراهية، بل الدّولة العادلة، والتعليم، والحرّيّة. والمؤسسات وحدها هي التي تحمي الأوطان.
والأفكار النّيّرة هي التي تجعل من الانسان غاية كلّ سياسة والدّولة منزلا لمواطنيها وليس العكس.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير