81 عامًا من الشرف والتضحية والوفاء… الجيش اللبناني ركيزة الدولة وسيادة القانون

خاص بوابة بيروت

في الأول من آب من كل عام، لا يحتفل اللبنانيون بمجرد ذكرى تأسيس مؤسسة عسكرية، بل يستحضرون مسيرة وطنية امتدت واحدًا وثمانين عامًا من الشرف والتضحية والوفاء، ويجددون عهدهم مع المؤسسة التي بقيت، رغم كل العواصف، عنوانًا لوحدة الوطن، ورمزًا لسيادته، وصمّام أمانه في أحلك الظروف.

فالجيش اللبناني ليس مجرد قوة مسلحة، بل هو أحد أهم أعمدة الدولة الحديثة، حيث تلتقي السيادة مع الشرعية، ويلتقي الواجب الوطني مع احترام الدستور والقانون. وفي زمنٍ تراجعت فيه ثقة اللبنانيين بالعديد من المؤسسات، بقي الجيش يحظى باحترام غالبية اللبنانيين، لأنه حافظ على مهنيته، والتزم رسالته الوطنية، ووضع أمن الوطن فوق كل اعتبار.

لقد أثبتت التجارب العالمية أن الدول لا تُقاس بعدد جيوشها أو حجم ترسانتها العسكرية، بل بقدرتها على بناء مؤسسات دستورية قوية تعمل ضمن منظومة قانونية واضحة، يكون فيها الجيش أداةً لحماية الدولة، لا بديلاً عنها، وحارسًا للدستور، لا طرفًا في الانقسامات السياسية.

ولهذا، فإن قوة الجيش اللبناني لا تستمد مشروعيتها من السلاح وحده، بل من القانون الذي أنشأه ونظّم عمله. فقد حدّد المرسوم الاشتراعي رقم 102 الصادر بتاريخ 16 أيلول 1983 (قانون الدفاع الوطني) بوضوح مهام المؤسسة العسكرية، فنص على أن الدفاع الوطني يهدف إلى حماية استقلال لبنان وسيادته ووحدة أراضيه، والدفاع عن حدوده البرية والبحرية والجوية، وصون مؤسساته الدستورية، وحماية المواطنين ضمن إطار الشرعية الدستورية، كما أكّد أن القوات المسلحة تعمل تحت سلطة الدولة، وضمن السياسة الدفاعية التي يضعها مجلس الوزراء وفق أحكام الدستور.

ومن هذا المنطلق، يشكّل المجلس الأعلى للدفاع، المنبثق عن قانون الدفاع الوطني، الإطار المؤسسي الأعلى للتنسيق بين السلطات السياسية والعسكرية، بما يضمن خضوع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية، وفق المبادئ الدستورية المعتمدة في الدول الديمقراطية.

وقد جاءت مواقف رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، لتؤكد هذا المسار، من خلال التشديد على أن سيادة الدولة لا تكتمل إلا عندما تكون القوة الشرعية محصورة بمؤسساتها، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يبقى قرارًا وطنيًا تتخذه المؤسسات الدستورية، انسجامًا مع الدستور اللبناني، ووثيقة الوفاق الوطني، ومبدأ سيادة القانون.

وفي رسالته لمناسبة عيد الجيش، أكد قائد الجيش العماد رودولف هيكل أن المؤسسة العسكرية تواصل تنفيذ واجباتها رغم التحديات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية ومحدودية الموارد، من حماية الحدود، إلى مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، ومكافحة التهريب، وحفظ الأمن الداخلي، والمشاركة في مواجهة الكوارث والأزمات، بما يعكس قدرة هذه المؤسسة على التكيف مع مختلف التحديات الوطنية.

ومن منظور علم الإدارة العامة، يُعدّ الجيش اللبناني اليوم أحد أهم عناصر الأمن الوطني الشامل، وهو مفهوم لم يعد يقتصر على حماية الحدود، بل يشمل حماية الاستقرار الاقتصادي، واستمرارية المؤسسات، وإدارة الأزمات، وتعزيز ثقة المواطنين بالدولة. فالتنمية المستدامة لا يمكن أن تتحقق في غياب الأمن، والاستثمار لا ينمو في بيئة مضطربة، والاقتصاد لا يتعافى إذا غابت هيبة القانون.

إن التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في النهوض بعد الأزمات لم تبدأ بالإصلاح الاقتصادي فقط، بل بدأت أولًا بإعادة بناء مؤسساتها، وتعزيز استقلال القضاء، وترسيخ سيادة القانون، وتمكين المؤسسات الشرعية من القيام بواجباتها دون ازدواجية في الصلاحيات أو تضارب في المرجعيات. فالدولة القوية ليست تلك التي تكثر فيها مراكز القرار، بل تلك التي تحتكم إلى دستور واحد، وقانون واحد، ومؤسسات واحدة تعمل بتكامل وتوازن.

ومن هنا، فإن الاحتفال بعيد الجيش يجب أن يتحول إلى مناسبة وطنية لإعادة التفكير في مستقبل الدولة اللبنانية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في حماية الحدود، بل في بناء وطن يشعر فيه المواطن بالأمان والعدالة والكرامة، ويثق بأن حقوقه مصانة بقوة القانون، لا بقوة النفوذ.

إن لبنان يحتاج اليوم إلى رؤية وطنية جديدة، تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن ثقافة الانقسام إلى ثقافة المواطنة، ومن المحاصصة إلى الكفاءة، ومن ردود الفعل إلى التخطيط الاستراتيجي. وهي رؤية لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال تكامل الأدوار بين الجيش، والقضاء، والإدارة العامة، والجامعات، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، في إطار مشروع وطني جامع يعيد للدولة حضورها وهيبتها.

فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، بل هو منظومة متكاملة من العدالة، وسيادة القانون، والتنمية، واحترام حقوق الإنسان، والحوكمة الرشيدة. وعندما يشعر المواطن بأن مؤسسات دولته تعمل بكفاءة وعدالة وشفافية، يصبح الأمن ثقافةً يومية، لا مجرد مهمة عسكرية.

وفي الذكرى الحادية والثمانين لتأسيس الجيش اللبناني، لا نكتفي بتوجيه التحية إلى رجال المؤسسة العسكرية، بل نجدد التزامنا بفكرة الدولة نفسها؛ دولة يحكمها الدستور، وتصونها المؤسسات، ويحميها جيش واحد، ويجمع أبناءها مشروع وطني واحد، يقوم على المواطنة، والعدالة، والسلام المستدام.

تحية إجلال لكل شهيد سقط دفاعًا عن لبنان، ولكل جندي يقف اليوم على الحدود، وفي الثكنات، وفي مواقع الخدمة، مؤمنًا بأن الوطن أكبر من كل الأزمات.

واحد وثمانون عامًا من الشرف والتضحية والوفاء… وما زال الجيش اللبناني، وسيبقى، ركيزة الدولة، وحارس الدستور، وأحد أهم مفاتيح بناء لبنان الذي نحلم به: دولة قوية، عادلة، سيدة، مستقلة، ينعم فيها جميع أبنائها بالأمن، والكرامة، والسلام.

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك