بقلم جينا الشمّاس – بوابة بيروت تنشر مشروع ذاكرة، رغم مرور ست سنوات على جريمة تفجير مرفأ بيروت في ٤ آب ٢٠٢٠
اليوم الذي تضيع فيه الكلمات ويُخجِل القلم، اليوم الذي يُسقط جميع الخطابات والوعود والإصلاحات، والأقنعة، ليس ذكرى، ليس مجزرة، ليس يوم حزن. هو، بعد ست سنوات، كَبِر وأصبح دهر ظلم.
ليس الظالم غريباً عن المظلومين، ليس عدواً، بل صديقاً، رفيقاً، موضع ثقة، نعيش بكنفه مطمئنين.
في هذا اليوم لن نقف دقيقة صمت على أرواح هُدرت دون حرب أو عدوان. لن نقف دقيقة صمت، لأن الصمت هو قاتل ثانٍ. لن نُقتل مرتين أو ثلاثة بعد أن قُتلنا ست سنوات. لن يمرّ ٤ أب يوم ذكرى.
لن يمرّ٤ آب كما مرّ قبله في السنوات السابقة. هو اليوم المحطة التي نطلب فيها من الحكومة أن تتحمّل مسؤولياتها ولو لمرة واحدة في تاريخ لبنان. هو اليوم التاريخي الذي نطلب من الحكومة أن تجمع الأدلة ولو وصلت الى المرّيخ وأتت من الأقمار الصناعية. هو اليوم الذي نطلب من الحكومة أن تقف، وليس دقيقة واحدة على أرواح اللبنانيين الأبرياء الذين سقطوا، ليس على الحزن والأسى والألم الذي يحمله كل جريح ما زال يعاني من دقيقة الانفجار في كل دقيقة من حياته منذ ٤ آب ٢٠٢٠، وليس على طحن قلوب الأمهات بيد من حديد دقيقة تلو الأخرى.
لا، اليوم ليس ٤ آب كما مرّ منذ ست سنوات، سنة تلو الأخرى. اليوم لم تعد دقيقة الصمت تقبل أن تمرّ. فلقد وقف الزمن.
لن يستمر الزمن، وبعد اليوم لن تغيّر الرزنامة أيامها. فلقد سقطت الدقائق جميعها. وعلى الحكومة أن تقف. نعم عليها أن تقف. وتبقى واقفة. تماما كما يقف السجين والمعتقل. على الحكومة أن تقف الى أن يصدر حكماً من قاضٍ نزيه.
اليوم يوم إصدار الحكم بجريمة سفك دماء الأطفال والصبايا والشباب والمسعفين والأمهات، والآباء والأحباب وكل من طالتهم شظية الموت بيد الدولة القاتلة الحاكمة. اليوم، يوم أن نعيش حالة جديدة، حالة نادرة في هذا البلد المنكوب. اليوم، الشعب اللبناني يريد من الحكومة قراراً واحداً يزيل عنها احراجها. اليوم، يوم وقوف الحكومة صامتةً الى حين تطبيق الأهداف الثلاثة التي اعتمدتهم الدولة قبل الكارثة المجزرة بأشهر.
ألم تصدر الدولة الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في أيّار ٢٠٢٠، وتُقرّ الأهداف الثلاث التالية على أن تطبَّق خلال الخمس سنوات المنتهية في ٢٠٢٥؟ ألم تقرّ الحكومة الأهداف الثلاث: تعزيز الشفافية، تفعيل المحاسبة، وإنهاء الإفلات من العقاب؟ ألا تكفي ست سنوات من الظلم والظلام؟
اليوم، يوم التطبيق. اليوم، يوم إنهاء مهمة أحد المقصّرين. اليوم على الحكومة الحاليّة ومن فيها، انسجاماً مع بيانها وكونها مختلفة عن سابقاتها أن تعيش نتيجة الإهمال والتعسف معاً. تماماً الحالة التي يعيشها الشعب المنكوب. اليوم تقف الثقة على أبواب الصمت، لأن العدالة ما زالت مفقودة.
اليوم، على الحكومة العتيدة أن تقيل كل وزير أو مسؤول ساهم بتخلّف العدالة. هل هذا منصف؟ ربما لا. ولكن ذلك بعض إنصاف للضحايا. وهل في هذا الطلب تعسفاً؟ على الأرجح نعم، لكنه لن يقارَن بالتعسف الذي أودى بضحايا الوطن. وهل نطلب ذلك بإصرار ووعي، نعم.
وما الذي يفيد؟ إن عدم اكتراث أي مسؤول منكم، وعدم استقالة أي منكم لا سيما الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تحقيق العدالة، هو كارثة وطنية سارية المفعول منذ زمن. اليوم، اليوم الذي سقطت فيه أقنعة اللامبالاة بالظلم وبحقوق الإنسان، وتلطّخ فيه ثوب العدالة بالدم الطاهر البريء، لن يمر كباقي الأيام. فنتيجة التعسّف وعدم الإنصاف، شعور ضروري لمتخذي القرار، وهو السبيل الوحيد اليوم ليكون هناك غداً. فللمسؤول الذي تختارون الشرف أن يجلس في صفوف الحكم، والشرف الأكبر أن يترك مقعده اليوم! على أن يكون للشعب المقتول، الشرف بوصوله للعدالة في وطنه عند النطق بأسماء المتّهمين وثم المجرمين المحكومين، مهما علا شأنهم.
لا نطالب بتغيير الحكومة ولا نعارض دولة رئيس الحكومة، ونؤيد منطق الدستور وقرار واحد في بلدنا، ونسعى لدولة المؤسسات النزيهة. ولا ننسى لحظة ولن ننسى لا شهداء غزة ولا مناضلين الضفة الغربية والقدس المحتلة، ولا المواطنين اللبنانيين الشهداء والذين يقتلون ويدمر تاريخهم وتاريخنا معهم. ولا نهادن الصهيوني. ولا نقبل بالظلم أينما كان. ونعرف تماما من يقتل أهلنا في الجنوب. فهل يحق لنا أن نعرف من قتل ويقتل أهلنا منذ دقيقة انفجار بيروت في ٤ آب؟
حتى يقف أنين الأمهات والأحباب، الصمت لك أيتها الدولة العتيدة. ولن تتحرّك الثقة قبل الشعور المتبادل بعدم الإنصاف والتعسف، ولو بشكل رمزي محدود. ولا نطلب لكم الظلم كما ظُلِم الشعب. لكننا على يقين أن الزمن قد وقف ينتظر الثقة.
يعيش شعبنا في وهم الديمقراطية، ونحن شعب رهينةً لأقلية متحكّمة برقاب وأرواح وأموال وقدرات لبنان واللبنانيين، تسرح وتمرح فيه الحكومات بقرارات غير دستورية، وقرارات وليدة الساعة، وأخرى مخطط لها بغرض استغلال السلطة والاحتيال على الشعب. وحتى هذه الحكومة تسرع بخصخصة القطاعات بعيدا عن سيادة القانون وتعقد الصفقات دون شفافية ولا محاسبة لاطمئنان المسؤولين الى يقين الإفلات من العقاب، لا سيما بوجود مجلس نواب حامي لإفلات المسؤولين من العقاب.
فأين الديمقراطية حين يقاد البلد من قبل مجموعة أحزاب طائفية مذهبية لا تحاكي طموحات الشعب اللبناني ولا الجيل الصاعد وتشكّل أقلية حزبية لا تتجاوز 9.5% فقط من اللبنانيين؟
فأكثر من 90.5% من الشعب اللبناني خارج الأطر الحزبية الرسمية. وأكثر من النصف 50.8%)) يقاطعون صناديق الاقتراع يأساً واحباطاً.
اليوم سنوات الوقوف دقيقة صمت قد انتهت. اليوم يمكن للحكومة أن تتخذ قرارا جريئا تقول فيه نعم للثقة، نعم للشفافية، نعم للمحاسبة، ولا للإفلات من العقاب. اليوم يمكنك دولة الرئيس أن تعيد زمن العدالة الى لبنان. وتعيد دورة الزمن الذي وقف حزنا على الضحايا وصدمة على فقدان العدالة. يعود لنا الزمن عندما تكون الشفافية معززة مكرّمة، والمحاسبة مفعّلة ومفعمة بالطاقة، ويُكشف تضارب المصالح ويُعالج الإفلات من العقاب كداء لا يتباهى به أحد، يتعافى بدأً من الجريمة المجزرة من مرفأ بيروت.
اليوم رئيس دولتنا جريء وهو حام الدستور وهو القاضي الأول ورئيس حكومة لبنان هو الدكتور القاضي النزيه الذي لم يبخل على العالم بأسره برأي عادل وقرار عادل. فهل يتخذ قراراً عادلاً منصفاً يعاقب مسؤولاً واحداً، اليوم؟
