
كاتب وناشط سياسي
التحالف “السعودي – التركي – الباكستاني” إلى أين؟
خاص بوابة بيروت
لم يعد التحالف السعودي ـ التركي ـ الباكستاني مجرد احتمال أو فكرة مطروحة للنقاش، بل أصبح واقعاً سياسياً وأمنياً جديداً بعد توقيع اتفاق مكة للدفاع المشترك بين الدول الثلاث.
هذا التطور لا يمثل مجرد اتفاق عسكري بين ثلاث دول، بل قد يكون بداية لتحول أوسع في بنية الأمن الإقليمي، خصوصاً إذا نجحت الرياض وأنقرة وإسلام آباد في تحويل الاتفاق من إطار سياسي ودفاعي إلى منظومة فعلية للتعاون العسكري والأمني والصناعات الدفاعية وتبادل التكنولوجيا.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط: لماذا نشأ هذا التحالف؟ بل الأهم: إلى أين يمكن أن يصل؟
فالمعادلة الجديدة تجمع ثلاث قوى تمتلك عناصر مختلفة من القوة، لكنها في الوقت نفسه قابلة للتكامل.
السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والسياسي والديني، إلى جانب موقع جغرافي واستراتيجي بالغ الأهمية في الخليج والبحر الأحمر والعالم العربي.
تركيا تمتلك قوة عسكرية كبيرة، وخبرةعملياتية واسعة، وصناعة دفاعية متطورة أصبحت لاعباً مهماً في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ والسفن وأنظمة الحرب الإلكترونية.
أما باكستان، فتضيف إلى المعادلة جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية طويلة وقدرات صاروخية، فضلاً عن كونها الدولة النووية الوحيدة بين أطراف هذا التحالف.
ومن هنا فإن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في مبدأ الدفاع المشترك، وإنما في إمكانية بناء قدرة ردع إقليمية جديدة.
من تحالف ثلاثي إلى منظومة إقليمية؟
أعتقد أن الاختبار الحقيقي للتحالف سيبدأ بعد توقيع الاتفاق، وليس عند توقيعه.
فالاتفاقيات السياسية يمكن أن تكون مهمة، لكن القوة الحقيقية تظهر عندما تتحول إلى مؤسسات وآليات عملية.
هل ستنشأ قيادة أو آلية تنسيق عسكري دائمة؟
هل ستجري مناورات مشتركة بصورة منتظمة؟
هل سيتم إنشاء منظومات مشتركة للإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي؟
هل ستتوسع الشراكة إلى الصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني؟
إذا حدث ذلك، فإننا لن نكون أمام تحالف سياسي عابر، بل أمام بداية منظومة أمنية جديدة.
وهنا يصبح السؤال الأكثر أهمية: من ستكون الدولة التالية؟
مصر… مفتاح التوسع العربي
إذا كان هناك اسم واحد يمكن أن يغير طبيعة هذا التحالف بالكامل، فهو مصر. فمصر ليست مجرد دولة عربية كبيرة، وإنما قوة عسكرية وسكانية وسياسية وجغرافية يصعب تجاهلها في أي ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة.
وجود القاهرة في منظومة بهذا الحجم سيمنحها بعداً عربياً واسعاً، وسيصل بين الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط وشمال أفريقيا.
لكن انضمام مصر، إذا حصل، لن يكون قراراً عسكرياً بسيطاً.
القاهرة لديها علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلاقاتها الوثيقة مع دول الخليج، ومصالحها في ليبيا والسودان والبحر الأحمر وشرق المتوسط، إضافة إلى حساباتها الخاصة تجاه تركيا.
لذلك قد لا يبدأ الدور المصري بالعضوية الكاملة.
قد يبدأ بتعاون عسكري، أو تدريباتمشتركة، أو تبادل معلومات، أو مشاريع دفاعية، قبل الانتقال إلى صيغة أكثر شمولاً.
ولهذا فإن الموقف المصري سيكون أحد أهم المؤشرات على مستقبل اتفاق مكة.
الكويت… الحلقة التي قد تربط الخليج بالتحالف.
أما الكويت، فقد تكون من أكثر الدول أهمية في مسار التوسع، رغم أنها لا تحظى دائماً بالاهتمام نفسه الذي تحظى به الدول الكبرى.
فالكويت عضو أساسي في المنظومةالخليجية، ولها علاقات قوية مع السعودية والولايات المتحدة، كما تربطها علاقات عسكرية تاريخية مع باكستان.
وهذا يجعلها قادرة على لعب دور الجسر بين التحالف الجديد ومجلس التعاون الخليجي.
وإذا قررت الكويت الانخراط في أي ترتيبات جديدة، فقد يكون ذلك مؤشراً على أن الاتفاق بدأ ينتقل من كونه تحالفاً ثلاثياً إلى إطار أمني أوسع.
قطر والأردن… أدوار مختلفة
قطر أيضاً دولة لا يمكن تجاهلها
فهي تمتلك علاقات واسعة مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، وتتمتع بدور دبلوماسي وسياسي مهم. وقد لا يكون دورها بالضرورة عسكرياً بالمعنى التقليدي، بل يمكن أن يكون سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً. أما الأردن، فيحتل موقعاً جغرافياً حساساً للغاية. فهو يقع في قلب شبكة من الأزمات والحدود الممتدة من الخليج إلى العراق وسوريا وفلسطين وإسرائيل.
ومن الصعب تصور منظومة أمنية عربية متماسكة في المشرق من دون أن يكون للأردن دور فيها، سواء من خلال العضوية الكاملة أو التنسيق الأمني والعسكري.
هل التحالف موجه ضد إسرائيل؟
رسمياً، الاتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها. لكن السياسة الدولية لا تُقرأ فقط من خلال البيانات الرسمية.
إن وجود السعودية وتركيا وباكستان في منظومة دفاعية واحدة سيؤثر حتماً في الحسابات الإسرائيلية، خصوصاً إذا انضمت إليها دول عربية أخرى.
لكنني لا أعتقد أن الهدف المباشر للتحالف هو الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل.
الأكثر واقعية هو النظر إلى الاتفاق باعتباره مشروع ردع إقليمي.
فالردع لا يعني بالضرورة الاستعداد للحرب، وإنما امتلاك القوة التي تجعل الخصم يعيد حساباته قبل اتخاذ قرار عسكري. وهنا تبرز أهمية باكستان.
فوجود دولة نووية داخل منظومة دفاعية إقليمية لا يعني أن الترسانة النووية الباكستانية أصبحت جزءاً من الاتفاق، فهذا أمر غير معلن، لكنه يضيف بالتأكيد بعداً استراتيجياً ونفسياً إلى حسابات القوى الأخرى.
ماذا عن إيران؟
إيران ستكون بلا شك واحدة من أكثر الدول التي ستراقب تطورات التحالف عن كثب. ورغم أن الاتفاق ليس معلناً كتحالف ضد طهران، فإن وجود منظومة دفاعية تضم السعودية وتركيا وباكستان سيؤثر على الحسابات الإيرانية. لكن من الخطأ اختزال التحالف في مواجهة إيران. فالدول الثلاث لديها مصالح أوسع بكثير.
السعودية تريد حماية أمنها ومصالحها في الخليج والبحر الأحمر. تركيا لديها حساباتها في سوريا والعراق وشرق المتوسط. أما باكستان، فتبقى الهند وأفغانستان والصين في صلب حساباتها الاستراتيجية.
ولهذا فإن التحالف يبدو أقرب إلى محاولة لبناء توازن إقليمي جديد منه إلى تشكيل جبهة موجهة ضد دولة واحدة.
ماذا تريد الولايات المتحدة؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن قيام تحالف إقليمي قوي يمثل تحدياً للنفوذ الأمريكي. لكن الصورة أكثر تعقيداً.
فالولايات المتحدة نفسها تريد من حلفائها تحمل مسؤولية أكبر عن أمن مناطقهم، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة مع الصين وروسيا.
ومن هذا المنظور، قد لا ترى واشنطن في قيام منظومة أمنية إقليمية أمراً سلبياً بالضرورة، طالما أنها لا تتحول إلى منظومة معادية للمصالح الأمريكية.
السعودية شريك استراتيجي لواشنطن، وتركيا عضو في حلف الناتو، وباكستان لها علاقات تاريخية مع الولايات المتحدة.
لذلك من غير المرجح أن يكون الهدف هو استبدال الولايات المتحدة.
الأقرب هو الانتقال من مرحلة الاعتماد على الحماية الخارجية إلى مرحلة تقاسم المسؤولية الأمنية. وهذا تحول كبير في حد ذاته.
الصين… لاعب آخر في المعادلة
لا يمكن أيضاً تجاهل الصين. فبكين تتمتع بعلاقة استراتيجية وثيقة مع باكستان، كما طورت خلال السنوات الأخيرة علاقات اقتصادية وسياسية قوية مع السعودية.
وإذا توسع التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، فقد تجد الصين فرصاً جديدة في مجالات التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والاستثمار والبنية التحتية.
لكن من غير المرجح أن تتحول السعودية أو تركيا أو باكستان إلى أدوات في صراع أمريكي ـ صيني.
الأرجح أننا أمام مرحلة جديدة من تعدد الشركاء.
فالدول الإقليمية تريد التعاون مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تريد علاقات قوية مع الصين وروسيا، وتريد تطوير قدراتها الذاتية.
وهذا يعني أن الشرق الأوسط قد يصبح أقل اعتماداً على محور دولي واحد.
التحدي الحقيقي: هل يستطيع التحالف أن يعمل كمنظومة واحدة؟
برأيي، هذه هي النقطة الأهم.
فالقوة العسكرية وحدها لا تصنع تحالفاً ناجحاً.
السعودية وتركيا وباكستان لديها منظومات عسكرية مختلفة، وعقائد دفاعية مختلفة، وشركاء دوليون مختلفون.
تركيا تعتمد بصورة كبيرة على صناعاتها الدفاعية المحلية.
السعودية تمتلك منظومات تسليح متطورة، خصوصاً من الولايات المتحدة والغرب.
باكستان تجمع بين التكنولوجيا المحلية والصينية والغربية. لذلك فإن بناء منظومة مشتركة يحتاج إلى وقت طويل.
ويحتاج أيضاً إلى توحيد الإجراءات، وربط أنظمة الاتصالات، وتبادل المعلومات الاستخبارية، وتطوير أنظمة إنذار مبكر، وإجراء تدريبات مشتركة.
إذا نجحت الدول الثلاث في ذلك، فإن الاتفاق سيصبح قوة فعلية. أما إذا بقي في إطار البيانات والقمم السياسية، فسيظل تأثيره محدوداً.
الخطر الأكبر ليس خارجياً
في تقديري، الخطر الأكبر على التحالف ليس إسرائيل ولا إيران ولا الولايات المتحدة.
الخطر الحقيقي هو اختلاف أولويات الدول الثلاث.
فالسعودية لديها أولوياتها في الخليج واليمن والبحر الأحمر.
تركيا لديها أولوياتها في سوريا والعراق وشرق المتوسط.
باكستان لديها أولوياتها المرتبطة بالهند وأفغانستان والصين.
هذه أجندات مختلفة.
ولذلك فإن نجاح التحالف لن يعتمد على وجود خصم مشترك، بل على قدرته على خلق مصالح مشتركة دائمة.
إذا تأسس التحالف فقط بسبب أزمة معينة، فقد يتراجع عندما تنتهي الأزمة.
أما إذا تحول إلى تعاون مؤسساتي طويل الأمد في الدفاع والتكنولوجيا والاقتصاد والأمن، فسيصبح أكثر قدرة على الاستمرار.
ثلاثة سيناريوهات للمستقبل
أرى ثلاثة سيناريوهات رئيسية أمام اتفاق مكة.
الأول: أن يبقى تحالفاً ثلاثياً محدوداً، يركز على التنسيق السياسي والعسكري والردع.
الثاني: أن يتوسع تدريجياً ليشمل مصر والكويت وقطر والأردن، فيتحول إلى منظومة أمنية عربية وإسلامية أوسع.
الثالث: وهو الأكثر طموحاً، أن يتحول إلى منظومة متكاملة لا تقتصر على الدفاع، وإنما تشمل الصناعات العسكرية والتكنولوجيا والطاقة والأمن السيبراني والأمن البحري والاستثمار.
وفي السيناريو الثالث تحديداً، لن نكون أمام تحالف عسكري تقليدي. سنكون أمام مركز قوة إقليمي جديد.
إذا نجح في ذلك، فقد يكون اتفاق مكة واحداً من أهم التحولات الاستراتيجية في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير