خاص بوابة بيروت
لم تدخل سوريا لائحة الدول الراعية للإرهاب بسبب شعبها، ولا بسبب هويتها أو تاريخها، وإنما بسبب سياسات نظام اختطف الدولة وحوّلها إلى ورقة في صراعاته الإقليمية. ففي 29 ديسمبر/كانون الأول 1979، وفي عهد حافظ الأسد، أدرجت الولايات المتحدة سوريا على قائمتها للدول الراعية للإرهاب، متهمةً النظام آنذاك بإيواء تنظيمات مسلحة وتسهيل أنشطتها وتقديم الدعم السياسي والأمني واللوجستي لها.
كان ذلك التصنيف نتيجة مباشرة للطريقة التي أدار بها حافظ الأسد السياسة الخارجية السورية؛ إذ لم يتعامل مع الدولة باعتبارها مؤسسة تحمي مصالح السوريين، بل استخدم موقع سوريا وثقلها الإقليمي في بناء شبكات نفوذ مسلحة، والتحكم بالملفات اللبنانية والفلسطينية، وربط القرار السوري بمحاور وصراعات تجاوزت حدود البلاد ومصالح شعبها.
ومع وصول بشار الأسد إلى السلطة، لم يتغير المسار، بل تعمقت علاقة النظام بإيران وحزب الله والميليشيات التابعة للحرس الثوري، وتحولت سوريا تدريجيًا إلى ممر للسلاح والمقاتلين وإلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وحين ثار السوريون مطالبين بالحرية والكرامة، اختار بشار الأسد أن يحرق البلاد من أجل بقائه، فملأها بالمعتقلات والمقابر، واستخدم التعذيب والإخفاء القسري والأسلحة الكيميائية، ودفع بملايين السوريين إلى النزوح واللجوء، قبل أن يهرب في النهاية إلى موسكو تاركًا خلفه دولة منهكة واقتصادًا محطمًا ومجتمعًا مثقلًا بالجراح.
وهكذا لم يرث السوريون عن الديكتاتور الهارب بلدًا مدمّرًا فقط، بل ورثوا أيضًا شبكة كثيفة من العقوبات والتصنيفات والعوائق القانونية التي جعلت إعادة بناء سوريا مهمة شديدة التعقيد. لقد سقط الأسد، لكن الجدران التي بناها حول سوريا ظلت قائمة، وكان تصنيفها دولة راعية للإرهاب واحدًا من أكثر تلك الجدران صلابة وخطورة.
قرار يطوي نحو نصف قرن من العزلة
في 24 أغسطس/آب 2026، ألغت الولايات المتحدة رسميًا تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، منهيةً وضعًا استمر قرابة 47 عامًا. وجاء القرار بعد أن أبلغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس، في 8 يوليو/تموز، بنيته إلغاء التصنيف، وبعد انقضاء مهلة المراجعة القانونية البالغة 45 يومًا من دون صدور قرار يمنع الشطب.
ولم يكن القرار مجرد إعلان سياسي أو تصريح دبلوماسي، بل إجراء قانوني نافذ ألغى القيود المرتبطة بتصنيف الدولة السورية راعية للإرهاب. وقد استندت الإدارة الأميركية إلى تقييم أكد أن الحكومة السورية لم تقدم خلال الأشهر الستة السابقة دعمًا لأعمال الإرهاب الدولي، وإلى ضمانات مكتوبة قدمتها دمشق في 12 يونيو/حزيران 2026، تعهدت فيها بعدم دعم أو تمويل أو تسهيل أي نشاط إرهابي مستقبلًا.
كما أخذت واشنطن في الاعتبار تعاون سوريا في مواجهة تنظيم داعش، وانضمامها إلى التحالف الدولي لمحاربته، والإجراءات المتخذة ضد شبكات التهريب المرتبطة بحزب الله، وقطع التعاون السابق مع إيران والميليشيات التابعة لها، ومنع استخدام الأراضي السورية لتنظيم أو تمويل أو تنفيذ أعمال إرهابية ضد دول أخرى.
بهذا المعنى، لم يكن شطب سوريا هدية مجانية ولا محاولة لتجميل الماضي، بل اعترافًا دوليًا بأن الدولة السورية الحالية بدأت تنفصل عن إرث النظام السابق، وأن تحميلها إلى ما لا نهاية تبعات سياسات الأسد لم يعد يخدم الشعب السوري ولا الأمن الإقليمي والدولي.
إزالة الاسم وفتح أبواب الاقتصاد
الأهمية الكبرى للقرار لا تكمن في محو اسم سوريا من وثيقة أميركية فحسب، بل في إزالة واحد من أخطر العوائق التي كانت تمنع المصارف وشركات التأمين والمستثمرين من التعامل معها.
صحيح أن الولايات المتحدة كانت قد أنهت الجزء الأكبر من العقوبات الاقتصادية الشاملة في يوليو/تموز 2025، وأن قانون قيصر أُلغي لاحقًا، لكن بقاء سوريا على لائحة الدول الراعية للإرهاب ظل يرفع درجة المخاطر القانونية والمصرفية إلى مستويات شديدة الحساسية. فالمؤسسات المالية الدولية لا تنظر فقط إلى ما إذا كانت المعاملة مسموحة قانونيًا، بل إلى سمعة الدولة وتصنيفها وحجم المخاطر المحتملة والعقوبات التي قد تترتب على أي خطأ.
واليوم، أصبح من الممكن أن تبدأ المصارف الدولية بإعادة تقييم سياساتها تجاه سوريا، وأن تتوسع علاقات المراسلة المصرفية، وتمويل التجارة، وفتح الاعتمادات، وتنفيذ التحويلات، وإدخال أنظمة الدفع الحديثة. وهذا لا يعني أن كل المصارف ستعود فورًا، لكنه يزيل الذريعة القانونية الأهم التي كانت تدفعها إلى الابتعاد حتى عن المعاملات المسموح بها.
وتحتاج إعادة الإعمار إلى أكثر من الإسمنت والحديد؛ فهي تحتاج إلى مصارف قادرة على تحويل الأموال، وشركات تأمين مستعدة لتغطية المشاريع، ومؤسسات تمويل تستطيع تقديم القروض، وشركات عالمية تملك التكنولوجيا والخبرة. ومن دون هذه المنظومة، تبقى عقود الإعمار مجرد أوراق، وتبقى الاستثمارات وعودًا لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
من الكهرباء إلى الإسكان وفرص العمل
قد يفتح القرار الباب أمام استثمارات في الكهرباء والطاقة والمياه والاتصالات والنقل والمطارات والإسكان والمستشفيات والمدارس. وهي قطاعات لا يمكن للدولة السورية أن تعيد بناءها وحدها بعد سنوات طويلة من الحرب والنهب والانهيار.
وقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يكشف ضخامة المهمة والحاجة إلى شراكات عربية ودولية واسعة. ولذلك فإن إزالة التصنيف تمنح سوريا فرصة لجذب رؤوس الأموال والتقنيات الحديثة والشركات المتخصصة، كما تساعدها على التفاوض مع المؤسسات المالية الدولية من موقع قانوني وسياسي أفضل.
أما المواطن السوري، فلن يقيس أهمية القرار بعدد البيانات الدبلوماسية، بل بقدرته على الحصول على الكهرباء والعمل والدواء والسكن، وبانخفاض كلفة التحويلات، وعودة المصانع، وتحسن الخدمات، واستقرار الأسواق. وقد لا تظهر هذه النتائج خلال أسابيع، لكنها أصبحت ممكنة بعد إزالة العوائق التي كانت تجعل التعامل مع سوريا مخاطرة ترفضها غالبية المؤسسات الدولية.
كما يمكن للقرار أن يشجع رجال الأعمال السوريين في الخارج على العودة أو الاستثمار، وأن يتيح للكفاءات المهاجرة المشاركة في إعادة بناء بلدها، وأن يفتح أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة فرصًا جديدة بدل ترك عملية الإعمار حكرًا على شبكات النفوذ والاحتكار.
انفتاح دولي لا شيك مفتوح
إزالة سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب لا تعني أن العالم سيقدم لها شيكًا مفتوحًا، ولا أن مليارات الدولارات ستتدفق إليها في اليوم التالي. فالاستثمار يحتاج إلى أمن وقضاء نزيه وقوانين واضحة وضمانات لحماية الملكية والعقود، كما يحتاج إلى مكافحة جدية للفساد وغسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ولهذا فإن القرار يمثل بداية الطريق لا نهايته. وقد أصبحت المسؤولية اليوم على المؤسسات السورية في تحويل الانفتاح السياسي إلى إصلاح اقتصادي وإداري حقيقي، وبناء بيئة تحمي المال العام وتمنع ظهور طبقة جديدة من المنتفعين الذين يتعاملون مع إعادة الإعمار باعتبارها غنيمة.
ولا يمكن لسوريا أن تعيد بناء نفسها بأساليب النظام الذي دمّرها. فالإعمار الحقيقي لا يعني تشييد الأبنية فوق الأنقاض فقط، بل بناء دولة قانون ومؤسسات، وإدارة شفافة، وقضاء مستقل، ومناقصات عادلة، ورقابة تمنع سرقة الأموال المخصصة للمدارس والمستشفيات والكهرباء والمساكن.
سوريا خرجت من القائمة وبقي الجلادون عليها
من أهم جوانب القرار أنه فصل بين الدولة السورية وبين رموز النظام السابق. فقد خرجت سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب، بينما بقيت العقوبات الفردية مفروضة على بشار الأسد وأعوانه، وعلى المسؤولين عن انتهاكات حقوق الإنسان، وشبكات الكبتاغون، والمتورطين في الأسلحة الكيميائية، ووكلاء إيران والتنظيمات الإرهابية.
وهذا التفريق بالغ الأهمية؛ لأن العدالة لا تتحقق بمعاقبة شعب كامل على جرائم نظامه. كان السوريون أول ضحايا الإرهاب الذي مارسه الأسد، وكانوا أول من دفع ثمن تحالفاته وميليشياته ومعتقلاته وحروبه. وليس من العدل أن يستمروا في دفع الثمن بعد سقوطه وهروبه.
إن إزالة اسم سوريا لا تمحو الجرائم، ولا تسقط حقوق الضحايا، ولا تمنح الديكتاتور الهارب أو أركان نظامه براءة من الدم السوري. بل تعيد توجيه العقوبة إلى مكانها الصحيح: نحو الأفراد والشبكات التي ارتكبت الجرائم ونهبت الدولة، بدل إبقاء الشعب كله محاصرًا داخل إرث لم يصنعه.
فرصة عربية ودولية لسوريا الجديدة
الترحيب السعودي والعربي والدولي بالقرار يحمل دلالة مهمة، لأنه يعكس رغبة متزايدة في مساعدة سوريا على استعادة أمنها واستقرارها والعودة إلى محيطها الطبيعي. وهذه اللحظة تمنح دمشق فرصة لبناء علاقات متوازنة مع الدول العربية والعالم، بعيدًا عن سياسة المحاور والميليشيات التي جعلت سوريا لعقود ساحةً لمشاريع الآخرين.
فاستقرار سوريا ليس مصلحة سورية وحدها، بل ضرورة لأمن المنطقة، ولعودة اللاجئين، ومواجهة الإرهاب والمخدرات والجريمة المنظمة، ووقف التهريب، ومنع إيران وأذرعها المسلحة من إعادة التمدد داخل البلاد.
بعد قرابة نصف قرن، خرج اسم سوريا من القائمة التي وضعها فيها نظام حافظ الأسد وأبقاها عليها بشار الأسد. لكن القيمة الحقيقية لهذا الحدث لن تكون في الاحتفالات وحدها، بل في تحويله إلى كهرباء تصل إلى البيوت، ومدارس تستقبل الأطفال، ومستشفيات تعالج المرضى، ومصانع توفر فرص العمل، ومؤسسات تحمي السوريين بدل أن تخيفهم.
لقد سقط أحد آخر جدران العزلة التي بناها الأسد حول سوريا. والفرصة اليوم حقيقية كي تنتقل البلاد من مرحلة دفع ثمن الماضي إلى مرحلة بناء المستقبل، ومن دولة عوقبت بسبب نظامها إلى وطن يستعيد مكانه بين دول العالم.
سوريا لم تكن يومًا إرهابية، بل كانت دولة رهينة لنظام استخدم الإرهاب لحماية سلطته. واليوم، بعد سقوط ذلك النظام وإزالة اسـمها من اللائحة، تستعيد سوريا حقها في أن تُعامل بوصفها وطنًا يستحق الحياة والإعمار والاستقرار.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير