بانوراما السِّباقُ بين الميدانَيْن العسكريِّ والدبلوماسيِّ
ويبقى أنّ النتائج التي ستنتج من أيّ أعمالٍ عسكريّةٍ محتملة، على وقع التسريبات الإعلاميّة، ولا سيّما الأميركيّة منها، والتحذيرات العربيّة، هي التي ستكون محرّكَ المسار الدبلوماسيّ في تشرين الأوّل المقبل. وهذا ما يصعّب مهمّة الدولة أكثر، ويمنح خصوم مسار حصر السلاح حجّةً بأنّ السيادة لا يمكن أن تُبنى في ظلّ غياب حمايةٍ فعليّةٍ للحدود والسكان من قبل الدولة التي هم أنفسهم يمنعون قيامها.
خاص بوابة بيروت
السِّباقُ بين الميدانَيْن العسكريِّ والدبلوماسيِّ في أَوْجِهِ. عسكريًّا، تداعياتُ علي الطاهر والنبطيّة تتفاعل، فيما بدت لافتةً زيارةُ رئيس الجمهوريّة جوزاف عون المفاجئة للنبطيّة، برفقة قائد الجيش العماد رودولف هيكل وقادة الأجهزة الأمنيّة، والتي حملت رسائلَ سياسيّةً للداخل والخارج على السواء. أمّا دبلوماسيًّا، فتمّ ترحيل جلسة المفاوضات إلى تشرين الأوّل. فهل يستطيع لبنان أن يصمد طوال هذه المرحلة، ولا سيّما أنّ التدهور الاقتصادي يزداد سرعةً يومًا بعد يوم؟
لقد اختار رئيس الجمهوريّة النبطيّة ليوجّه رسالةً داخليّةً إلى كلّ المعترضين على أدائه التفاوضيّ، حيث عاد وأكّد من هناك مطالبَ الدولة اللبنانيّة، فيما فُسِّر بعضُ ما قاله تهديدًا بإيقاف المفاوضات مع الإسرائيليّين. وهذا ما طرح سريعًا السؤال: ما البديل الذي تملكه الدولة اللبنانيّة في حال وقفها عمليّةَ المفاوضات؟
إلّا أنّ هذه الزيارة، على رمزيّتها المهمّة في تثبيت وجود الدولة في ما تبقّى لها من الجنوب، وبهمّة منظّمة حزب الله، تبقى مرهونةً بما سيأتي بعدها. إذ يتساءل المواطنون الجنوبيّون: هل ستستطيع الدولة اللبنانيّة، بعد مناشدتهم لها، حمايتهم؟ فيما يطرح المراقبون الدبلوماسيّون السؤال الآتي: هل ستستطيع هذه الدولة أن تبسط سلطتها على أرضٍ لا يحكم فيها سلاحُ مؤسّساتها؟
إسرائيل تقرأ الرسالة بطريقتها
أمّا خارجيًّا، فالإسرائيليّ فهم هذه الرسالة أكثر من اللازم، حيث تمّ تأجيل الجلسة المقبلة في روما، التي كان من المفترض أن تُعقد هذا الأسبوع، إلى تشرين الأوّل. وهذا ما زاد الأمور تعقيدًا على مستوى الميدان العسكريّ، لأنّ الإسرائيليّ لن يوقف مساره التقدّميّ، حتّى لو أنّ الزيارة إلى النبطيّة حملت رسالةً سياسيّةً واضحةً بأنّ الدولة تريد أن تكون حاضرةً ميدانيًّا في منطقةٍ تتعرّض لضغطٍ عسكريّ متزايد.
ذلك كلّه على وقع تقدّمٍ ملحوظٍ للجيش اللبنانيّ في عمليّات مصادرة الأسلحة في المناطق التجريبيّة. لكنّ ذلك، وفقًا للمعايير التي جرى الحديث عنها في «روما 2»، وقبلها «روما 1»، يبقى غير كافٍ، لأنّ المنشآت العسكريّة لحزب الله هي تحت مقصلة الإسرائيليّ، وليس الجيش اللبنانيّ. وهذه، بالأساس، نقطة الخلاف، وهي تشكّل إسرائيليًّا نقطةَ قوّةٍ إضافيّةً يعرف نتانياهو كيف يستثمرها ميدانيًّا في لبنان وانتخابيًّا في إسرائيل.
اليونيفيل… والمظلّة الدوليّة
وفي سياقٍ مرتبط، تتمسّك بيروت، “العهد” وفرنسا معها بتمديد مهمّة قوّات اليونيفيل بعد انتهاء ولايتها في 31 كانون الأوّل، فيما لا تخفي الولايات المتّحدة امتعاضها من هذا الطرح، بل رفضه بالمطلق.
فبحسب بعض المصادر الدبلوماسيّة، جاء التحفّظ الأميركيّ والرفض من منطلق فشل هذه القوّات في المهام التي أُنيطت بها منذ لحظة تكوّنها بموجب قرارَي مجلس الأمن 425 و426 لعام 1978، وكلاهما صدر في 19 آذار 1978. وقد عُدّلت مهمّتها وتوسّعت بصورةٍ جوهريّة، ولا سيّما بموجب القرار 1701 بعد حرب تمّوز 2006.
وتبحث السلطة اللبنانيّة اليوم عن كيفيّة إيجاد مظلّةٍ دوليّةٍ تكون الرافدَ في المرحلة الانتقاليّة. ومن هنا يُقرأ المؤتمر الذي سيُعقد في 17 أيلول 2026 في باريس، وهو اجتماعٌ تحضيريٌّ لمؤتمرٍ دوليٍّ مخصّصٍ لدعم الجيش اللبنانيّ وقوى الأمن الداخليّ، بمشاركة لبنان وفرنسا والأردن والولايات المتّحدة والسعوديّة، إلى جانب عددٍ من الدول العربيّة والأوروبيّة، مع توقّع مشاركة نحو 15 إلى 20 دولة.
وسيهدف هذا الاجتماع إلى سدّ الفجوة الأميركيّة في دعم الجيش. وهذه المسألة ستتعدّى الدعم التدريبيّ والتمويليّ إلى ترسيخ دور الجيش كمؤسّسةٍ رسميّةٍ وحيدةٍ قادرةٍ على بسط الأمن في الجنوب أوّلًا ولبنان ثانيًا، فضلًا عن التحوّلات التي ستطال مهام اليونيفيل، وقد تكون تحت مسمّياتٍ أخرى.
الميدان يسبق الدبلوماسيّة
وعلى وقع تسارع الأحداث التي أدّت إلى تأجيل المفاوضات إلى تشرين الأوّل، يُفترض أن تلتقي السفيرة اللبنانيّة والسفير الإسرائيليّ في واشنطن هذا الأسبوع لمواصلة البحث في تنفيذ اتّفاق الإطار. وهذا ما يمكن ترجمته تعثّرًا واضحًا في المسار الدبلوماسيّ، فيما يبدو الميدان اللاعبَ الأساسيَّ في مسار المفاوضات، لأنّه بات يسير أسرع ممّا تصوّره المراقبون.
ويبقى أنّ النتائج التي ستنتج من أيّ أعمالٍ عسكريّةٍ محتملة، على وقع التسريبات الإعلاميّة، ولا سيّما الأميركيّة منها، والتحذيرات العربيّة، هي التي ستكون محرّكَ المسار الدبلوماسيّ في تشرين الأوّل المقبل. وهذا ما يصعّب مهمّة الدولة أكثر، ويمنح خصوم مسار حصر السلاح حجّةً بأنّ السيادة لا يمكن أن تُبنى في ظلّ غياب حمايةٍ فعليّةٍ للحدود والسكان من قبل الدولة التي هم أنفسهم يمنعون قيامها.
الراعي: لا تجعلوا معاناة الجنوب اعتياديّة
وفي سياقٍ متّصل، برزت مواقف البطريرك المارونيّ بشارة الراعي، الذي حذّر من أن تتحوّل معاناة الجنوبيّين إلى أمرٍ اعتياديّ، ودعا إلى حماية الجنوب بإجراءاتٍ عمليّة، وإلى آليّة تنسيقٍ تضمن حركة السكان وإيصال المساعدات، حيث يأتي حديث غبطته بعد ورود معلوماتٍ عن منع الإسرائيليّين قوافلَ مساعداتٍ متّجهةً إلى القرى الحدوديّة الصامدة.
وهذا ما سيطرح إشكاليّة قدرة هذه القرى على الصمود أكثر في ظلّ انعدام فرص دعمها. كما سيطرح ذلك إمكان تكرار سيناريوهات الماضي بين قراري البقاء أو الرحيل. فماذا سيختار أهالي القرى المسيحيّة الذين لا يزالون صامدين في قراهم، ومحافظين على هويّة الأرض اللبنانيّة في الجنوب؟
الاقتصاد… جبهةٌ أخرى
كما يلوح في أفق هذا الأسبوع الملفّ الاقتصاديّ، لأنّ الحكومة ستستأنف دراسة مشروع موازنة 2027، تحت ضغط العسكريّين وروابط موظّفي القطاع العام، ولا سيّما بعدما تمّ إيقاف اندفاعة إقرار ملفّ تفرّغ الأساتذة الجامعيين. وهذا ما يثير الشكوك حول قدرة منظّمة حزب الله على الاستثمار في أوجاع الناس للانقلاب على الحكومة.
وهكذا تستطيع عندها المنظّمة أن تخلق مساحةً آمنةً لها في الداخل، بعدما خسرت الجنوب كلّه. والخطر يقرع أبواب البقاع وضاحية بيروت الجنوبيّة.
هرمز وباب المندب… حصارٌ إقليميّ
ولا يمكن إغفال التطوّرات الإقليميّة في البحر الأحمر، حيث بات الحصار شرقًا في هرمز، وغربًا في باب المندب. وشهد مضيق هرمز أمس هجومًا على سفينةٍ تجاريّةٍ إيرانيّةٍ قرب جزيرة قشم، أدّى، بحسب وكالة أسوشيتد برس، إلى مقتل شخصٍ وإصابة أربعةٍ آخرين، بالتزامن مع استمرار المخاطر على الملاحة.
وفي البحر الأحمر، يواصل الحوثيّون توسيع عمليّاتهم، مع وصولهم إلى مناطق وجزرٍ استراتيجيّةٍ قرب باب المندب، فيما أفادت «رويترز» بأنّ هجمات الطائرات المسيّرة أدّت إلى تعطيل خطّ أنابيبٍ سعوديٍّ ينقل نحو 4 ملايين برميلٍ يوميًّا، أي قرابة 4 في المئة من الإمدادات العالميّة.
واستمرار هذه الأحداث إقليميًّا دفع سلطنة عُمان إلى دعوة وزراء خارجيّة دول مجلس التعاون الخليجي، مع وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي، وبمشاركة العراق، لبحث أزمة مضيق هرمز وأمن الملاحة التجاريّة في صلالة، بهدف إنشاء إطار تعاونٍ إقليميّ.
فيما أبدى الرئيس الأميركيّ تهكّمَه عندما سُئل عن هذا الاجتماع. ليعود وزير الخارجيّة العُمانيّ بدر البوسعيدي، في منشورٍ على منصّة «إكس» أمس الأحد، ويقول إنّ الاجتماع الذي كان مقرّرًا عقده اليوم الاثنين في سلطنة عُمان بين دول الخليج وإيران، لبحث الاتّفاقات المحتملة بشأن مضيق هرمز، قد أُرجئ. فهل سيتمّ تأجيل مصائر أخرى مع هذا الاجتماع؟ أم أنّ ساعات الحسم الميداني في إيران باتت أقرب؟
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير