وقاحة «حزب الله»… حين تتحول المساعدات إلى كاتم للصوت
حتى لو بلغت المساعدات مليارات الدولارات، فإنها لن تكون بديلًا عن مراجعة الخيارات، ولا عن الاعتراف بحجم الخسائر، ولا عن تقديم ضمانات حقيقية تمنع تكرارها. فالمال قد يعيد بناء جدار، لكنه لا يعيد وحده بناء الثقة، وقد يعوض جزءًا من الخسارة، لكنه لا يشتري حقًا دائمًا في التحكم بالناس أو إسكاتهم...
خاص بوابة بيروت
كلما اتسعت رقعة الدمار الذي يتسبب به «حزب الله» في لبنان، عاد التنظيم إلى الواجهة بخطاب المساعدات والتعويضات، وكأن المال قادر على محو المسؤولية، وكأن من فقد منزله وأمانه وحقه في تقرير مصيره مطالب بالاكتفاء بما يُدفع إليه، ثم التزام الصمت.
لم تعد القضية مجرد خلاف سياسي حول سلاح «حزب الله» أو خياراته العسكرية، بل باتت تطرح سؤالًا أكثر خطورة : بأي حق يتصرف تنظيم مسلح مرتبط بالنظام في إيران خارج مؤسسات الدولة، وكأنه صاحب القرار والمرجعية والوصاية على اللبنانيين. يطالب الدولة نفسها بالتعامل مع قراراته باعتبارها وقائع مفروضة لا يجوز الاعتراض عليها أو مناقشتها؟
حادثة حمولة المتفجرات في ضهر البيدر، وما أثارته من تساؤلات ومخاوف، أعادت إلى الواجهة إشكالية العلاقة بين الميليشيا والدولة. فبدلًا من أن تكون المؤسسات الدستورية والقضائية صاحبة الكلمة الفصل في التحقيق والمحاسبة وتحديد المسؤوليات، برز مشهد يوحي بأن الدولة مطالبة بالتكيف مع قرارات التنظيم، لا بأن التنظيم هو المطالب بالخضوع للقانون.
هنا تتجلى الوقاحة السياسية بأوضح صورها : تنظيم يتخذ قرارات الحرب، ويحمّل اللبنانيين تبعات خياراته، ثم يتصرف وكأن الدولة مطالبة بتقديم الولاء والطاعة، بدلًا من ممارسة سلطتها ومساءلة كل من يعرّض البلاد ومواطنيها للخطر.
المال لا يمحو المسؤولية
مع تصاعد غضب النازحين، سارع «حزب الله» إلى الإعلان عن مشروع للمساعدات، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول معايير الاستحقاق، وآليات التوزيع، والجهات التي تحدد المستفيدين، ومدى خضوع هذه العملية للشفافية والمساءلة.
المشكلة لا تكمن في تقديم المساعدات بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى أداة للنفوذ السياسي، ولا سيما حين تكون الفئات الأكثر تضررًا هي نفسها الفئات التي يُفترض أن تتمتع بحق السؤال والمحاسبة، لا أن تُدفع إلى القبول بالأمر الواقع تحت وطأة الحاجة.
أبناء الجنوب والضاحية ليسوا كتلة صامتة، ولا يجوز التعامل معهم باعتبارهم جمهورًا يمكن احتواؤه بوعود التعويض. إنهم مواطنون دفعوا أثمانًا باهظة من أمنهم ومنازلهم وأرزاقهم، ومن حقهم أن يسألوا عن أسباب ما حلّ بهم، وعن الجهات التي اتخذت القرارات، وعن الضمانات التي تحول دون تكرار المأساة.
فالتعويض لا يُسقط حق المواطن في معرفة الحقيقة، ولا يحوّل المسؤولية السياسية والوطنية إلى ملف مالي يُقفل بمجرد تسديد المستحقات.
الدولة ليست ملحقًا بالميليشيا
إن أي محاولة لفرض شروط على تسليم حمولة المتفجرات في ضهر البيدر، أو التعامل مع الدولة باعتبارها طرفًا مطالبًا بالطاعة، تستوجب موقفًا واضحًا وحاسمًا من الحكومة.
المطلوب ليس فتح مواجهة جديدة بين اللبنانيين، بل تثبيت مبدأ دستوري لا يحتمل التأويل : لا شرعية تعلو على الدستور، ولا جهة تملك حق احتكار القرار الوطني أو فرض إرادتها على مؤسسات الدولة.
من أزمة التنظيم إلى أزمة النموذج
الأزمة التي يواجهها تنظيم «حزب الله» اليوم لا تختصرها الضغوط المالية أو تراجع النفوذ، بل تتصل بسؤال أعمق عن قابلية استمرار نموذج يقوم على ازدواجية السلطة والقرار، ويطالب الدولة بالاعتراف بوقائع لا تملك المؤسسات الدستورية وحدها سلطة تحديدها.
قد يتمكن التنظيم من تقديم المساعدات، وقد يحافظ على شبكات نفوذه، وربما ينجح في احتواء بعض الاعتراضات مؤقتًا. لكن هذه الإجراءات لا تحسم السؤال الأساسي : هل يستطيع تنظيم مسلح موازٍ للدولة الاستمرار في فرض سلطته من دون أن يواجه أزمة متجددة في الشرعية والثقة والمساءلة؟
إن أي تحول مستدام لا يمكن أن يقوم على الإذلال أو الإقصاء أو الانتقام من جمهور التنظيم، بل على انتقال واضح نحو دولة قادرة على حماية جميع اللبنانيين، وضمان حقوقهم، وتوفير بديل فعلي عن الارتهان لشبكات النفوذ والميليشيات المسلحة.
المساعدات حق، والمحاسبة حق أيضًا
الجنوب والضاحية ليسا ساحة لتصفية الحسابات السياسية، ولا يجوز تحميل سكانهما مسؤولية قرارات لم يتخذها كل فرد منهم. هؤلاء يستحقون المساعدة والإعمار والحماية، كما يستحقون صون كرامتهم وحقهم في التعبير عن مواقفهم بحرية، بعيدًا عن الضغوط أو محاولات الاحتواء.
لقد أثبتت التجارب أن المال قد يؤجل الأسئلة، لكنه لا يلغيها. و «حزب الله» ليس كيانًا منزّهًا عن الخطأ أو المساءلة، كما أن الدولة ليست مطالبة بتقديم الولاء له، والنازحون ليسوا جمهورًا يمكن شراء صمتهم بالتعويضات.
وهنا يبدأ انهيار مشروع شراء كاتم الصوت : حين يرفض الناس أن تتحول حاجاتهم إلى ثمن لولائهم، وحين تتمسك الدولة بحقها في القرار والمساءلة، وحين يصبح التعويض خطوة نحو استعادة الحياة، لا وسيلة لإسكات الأصوات المطالبة بالحقيقة.
فالمساعدات تعيد بناء المنازل، لكنها لا تعيد بناء الثقة من دون محاسبة، ولا تمنح أحدًا حق مصادرة القرار الوطني أو احتكار مستقبل اللبنانيين.
شكراً لقراءة المقال... ولا تنسى مشاركته.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير