
كاتب وناشط سياسي
٢٥ أيّار : حين تحوّل التحرير إلى صراعٍ بلا نهاية
خاص بوابة بيروت
في مثل هذه الأيام من عام 2000، كان جنوب لبنان على موعد مع التحرير، مع فجرٍ جديد بعد سنوات طويلة من الاحتلال والحروب والاستنزاف. يومها انسحب “جيش العدو الإسرائيلي” تحت ضغط تراكم العمل المقاوم اللبناني منذ عام 1982، وصولًا إلى المقاومة الإسلامية التي تصدّرت المشهد العسكري في الجنوب ضمن توازناتٍ إقليميةٍ معقّدة، ثم اختصرت لاحقًا العمل المقاوم بعد صراعاتٍ مع قوى وتنظيمات أخرى.
كذلك لا يمكن إغفال تأثير الانقسامات والتحولات داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، والتي ساهمت في دفع قرار الانسحاب. أي إنّ التحرير لم يكن نتاج عاملٍ واحد، بل حصيلة تفاعل عوامل عديدة، وفي مقدّمتها المقاومة.
في تلك اللحظة المفصلية، كان يُفترض أن ينتهي منطق الحرب المفتوحة، لأنّ معظم الأراضي اللبنانية المحتلة قد تحرّرت، ولم يبقَ سوى ملف مزارع شبعا، وهو الملف الذي رفض النظام السوري آنذاك حسم لبنانيته بشكلٍ رسمي، فبقي أشبه بـ”مسمار جحا” يُستخدم لتبرير استمرار السلاح وبقاء حالة الاشتباك المفتوح.
لكنّ المشهد تبدّل تدريجيًّا، وانتقلنا من فعلٍ مقاومٍ مرتبط بتحرير الأرض إلى مشروعٍ إقليمي واسع، ومن مقاومة دفاعية إلى ما يشبه “مقاولة الحروب”. دخل لبنان في سباق تسلّح، وارتفعت شعارات إزالة “إسرائيل” ورميها في البحر، وتوسّعت الترسانات الصاروخية وشبكات الأنفاق، وتحول الخطاب من تحرير الجنوب إلى مشاريع كبرى تتجاوز حدود لبنان نفسه. وفي المقابل، كان من الطبيعي أن تستعد “إسرائيل” لهذا الواقع عبر بناء بنك أهداف واسع، والتحضير لحربٍ طويلة ومفتوحة مع “حزب الله” وبيئته، وأن تتوحش أكثر في ردودها العسكرية كما نشهد اليوم.
ومن حرب تموز 2006، مرورًا بالتدخل في سوريا واليمن والعراق، وصولًا إلى حروب “الإسناد” المرتبطة بغزة وإيران، أصبح الجنوب ولبنان يدفعان أثمان صراعات أكبر من قدرتهما وإمكاناتهما، حتى وصل البلد إلى حالة الانهيار والكارثة التي يعيشها اليوم.
وهنا يبرز السؤال الجوهري، هل بقي السلاح فعلًا لحماية لبنان، أم أنّه مع مرور الوقت تحوّل إلى سببٍ في جرّ البلاد نحو الحروب والكوارث؟ وهل كانت الشعارات الأيديولوجية الكبرى مجدية فعلًا، أم أنّها ساهمت في استجلاب احتلالٍ جديد من نوعٍ أكثر تدميرًا وخطورة؟
فأيّ مجتمع قد يتحمّل حرب تحرير محدودة بزمن وهدف واضح، لكنه لا يستطيع أن يعيش إلى ما لا نهاية داخل مناخ الحرب الدائمة والمغامرات الإقليمية المفتوحة. واليوم، بعد كل هذا الدمار والانهيار والخسائر البشرية والاقتصادية، يصبح الخوف الحقيقي أن يكون الجنوب الذي تحرّر عام 2000 مهدّدًا بأن يضيع مرةً أخرى تحت ثقل الحروب المستمرة والصراعات التي لا تنتهي.
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير