عن اللواتي لا يُكتب عنهن… ولا تُرفع لهنّ المنصّات في هذه الأيام

بقلم خلود وتار قاسم

عن اللواتي لا يُكتب عنهن… ولا تُرفع لهنّ المنصّات في هذه الأيام

عن المستيقظات فجراً… ليس فقط للصلاة، بل على هدير الطائرات التي تحوم فوق رؤوسهن، كأنها تبحث عمّا تبقّى من الطفولة لتقضي عليه.

عن التاليات ذِكراً، يرفعن أكفّهن إلى السماء، علَّ ربَّ العالمين يكشف هذا البلاء الثقيل ويبدّل هذا الليل فجراً.

عن المقاوِمات الحقيقيات… اللواتي يقاومن الشرّ المستطير الذي يحيط بهنّ وبعائلاتهن.

يقاومن الإجرام الوقح الذي يُذبح تحته الأزواج والأبناء أمام أعين عالمٍ يبرّر الجريمة… بل ويصادق عليها أحياناً بصمته.

يقاومن الذلّ على الطرقات بعد أن نزحن مع عائلاتهن، والجوع والعطش، ويحتملن البرد القارس مع أطفالهن بعد أن سوّت آلات القتل بيوتهن بالأرض.

أنتنّ بطلاتُ العالم الحقيقيات… حتى لو صودرت بطولتكنّ في زمنٍ لا يُصغي إلا للضجيج. فالنملة تجمع مؤونة عامٍ كامل بصمت، ولا يلتفت إليها أحد… بينما تستلقي ضفدعة على ضفة مستنقع وتطلق نقيقها، فتظنّ نفسها مديرة هذا الكوكب!

هكذا أصبح عالمنا اليوم، يمجّد الضجيج… ويتجاهل العمل الصامت.

أنتنّ نمل البيوت الذي يكافح بصبرٍ وكبرياء، في وقتٍ يفضّل فيه العالم الضفادع التي تملأ الفضاء نقيقاً.

عن الأمهات الممرّضات اللواتي يقِسن حرارة أطفالهن بميزان الشفاه… فيطبعن قبلةً على الجبين لعلّها تخفّف الوجع، ويحاولن أن يعالجن جروحاً بلا دواء، في زمنٍ انعدم فيه الطبّ والمعدّات.

عن الصابرات على وجعين معاً، وجع الجسد… ووجع القلب على مأساةٍ لم يشهد التاريخ مثيلاً لها.

هنّ بطلات هذا العالم حقاً، وهنّ اللواتي سيذكرهنّ التاريخ… حتى آخر يومٍ بشريّ على هذه الأرض.

أعلم أن مقالاً لن يوقف مجزرة، ولن يشفي الجراح، ولا سيعيد البيوت التي سقطت فوق رؤوس أهلها في جنوب لبنان وبقاعه وضاحية بيروت.

لكن ما يحدث اليوم لم يعد مأساة شعبٍ أو منطقة… إنه اختبار لإنسانية البشرية كلّها. ولهذا، كفانا ضياعاً في قشور الأمور… فلنعد إلى الجوهر، إن أردنا يوماً أن ننعم بالسلام والأمان.

وإلى البطلة اللبنانية… وخاصة الجنوبية, أخجل أن أتمنى لكِ حلو الأيام، فالذي تختبرينه اليوم لا تقوى عليه الجبال. لكنني أسأل الله أن يكشف هذا البلاء المهول عن بلادنا، وأن يمنحكِ القوة والصبر على مصابك الأليم.

أنتِ… وأمثالكِ… لستن فقط بطلات. أنتنّ ملائكة هذا الزمن. ملائكة حقاً… ملائكة فعلاً. وفي خضمّ هذا الألم، دعوني أقول كلمة بسيطة, ربما لا يوجد اليوم شخص في لبنان غير مُحبَط أو مكسور القلب.

لكن بدل أن يملأ البعض الفضاء سُمّاً وفتناً على وسائل التواصل، فليخفّفوا قليلاً… أو ليصمتوا أبداً. ليس وقت تسجيل النقاط السياسية. ليس وقت الخطابات.

الذي يستطيع أن يساعد نازحاً… فليفعل الآن. والذي يعرف من يستطيع المساعدة… فليدلّ عليه.

في هذه اللحظات، الإنسانية وحدها هي الموقف. والله يحفظ بلادنا من هذا الشرّ المستطير.

اخترنا لك
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com