
مدير التحرير
على أيّ جغرافيا قد نستفيق؟
خاص بوابة بيروت
يقع لبنان اليوم تحت نارين: نار الإسرائيلي المصمّم على تحقيق اختراق بواسطة القوة المفرطة في الميدان، ونار الديبلوماسيّة الأميركية التي تصر ّعلى الدولة اللبنانية لتصبح دولة بكل ما للكلمة من معنى. وتطبق قراراتها السيادية.
مقابل ذلك اجتمع الوفدان العسكريان في البنتاغون أمس، تحت ضغط أميركي للتوصل إلى حلّ، أو على الأقل، وضع لبنان على سكة هذا الحلّ. فواشنطن تتعامل مع هذا المسار كـ«مسار أمني» موازٍ للمسار السياسي الذي بدأ في واشنطن خلال الأسابيع الماضية. ومن البنود الأساسية المطروحة:
1. تثبيت وقف إطلاق النار وتمديده.
2. آلية مراقبة الخروق الميدانية.
3. انتشار الجيش اللبناني في الجنوب.
4. الانسحاب الإسرائيلي من المناطق التي دخلتها القوات الإسرائيلية أخيرًا.
5. ملف سلاح حزب الله جنوب الليطاني، وتطبيق القرار 1701.
وبحسب التسريبات الدبلوماسية من واشنطن، يبدو أنٌ أولوية الوفد اللبناني هي وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية بشكل فعلي لا شكلي؛ أي ما بات يعرف لبنانيًّا بتثبيت وقف إطلاق النار. والمطالبة بانسحاب القوات الإسرائيلية من النقاط التي تقدمت إليها أخيرًا؛ تمهيدًا إلى إعادة تفعيل لجنة المراقبة الدولية للهدنة بقيادة أميركية. وربط أي ترتيبات أمنية بتعزيز دور الجيش اللبناني، لا بترتيبات ثنائية مباشرة على الأرض.
فيما بدأ واضحًا أن الهدف المضمر لهذه المفاوضات هو البحث في الترتيبات الأمنية والعسكرية لمرحلة ما بعد هذه الحرب. أيّ لبنان سيكون؟ أو بالحري، إن استمرّ حزب الله حتى النّفس الأخير كما يقول أمينه العام يصبح السؤال: هل سيبقى لبنان؟
وهذا ما يصبو إليه الإسرائيلي والأمريكي على السواء. وما لا يمكن أن يقبلا به هو استمرار منظمة حزب الله على شكلها الحالي، ولو تم إبعادها عن الحدود بالحديد والنار.
أما بالنسبة إلى الأمريكي فيدفع بطريقة غير مباشرة من خلال هذه المفاوضات الدولة اللبنانية عبر الحكومة لتتٌخذ خطوات لاستعادة سيادتها كاملة. ولكن في قراءة موضوعية لمواقف حزب الله الأخيرة، لا يبدو أنه قد يقدم على أي تنازلات في هذا السياق، بل هو يتمسّك أكثر فأكثر بالإستمرار في القتال حتى آخر نفس.
بينما كشفت مصادر إعلامية أمريكية أن الرئيس الأمريكي بقراره الأخير الرامي إلى فتح مضيق هرمز، إنما يقدم إغراءات للإيراني حتى يتنازل عن الساحة اللبنانية ويفكٌ المسار المفاوضاتي من جهة، والعسكري من جهة ثانية مع لبنان. فإن نجحت مساعي الرئيس الأمريكي في ذلك، فهذا يعني عمليًّا أنّ إيران قد قدٌمت رأس حزب الله للإسرائيلي مقابل رقصة سالومي للأميركي. فهل يحذو حزب الله اللبناني حذو مقتضى الصدر العراقي الذي تجرأ حيث لم يجرؤ آخرون في العراق وانسحب من المستنقع الإيراني؟
المؤسف في ذلك كله أن المؤشرات اللبنانية لا توحي بذلك إطلاقًا، بل العكس تمامًا. وخطورة هذه المسألة تكمن في محاولة زج الشيعة اللبنانيين في نكبة كربلائية لن يشهدوا مثيلها في القرن الواحد والعشرين. الجغرافيا دمٌرت، والتاريخ المجيد بات مذلًٌا. والمجتمع تشرذم لتبقى الفكرة الايديولوجية مثبتة بفتاوى تقديم القُصَّر قرابين لبنانية أمام أقدام المرشد. فبالتٌالي، لم يبقَ أمام الشيعة اللبنانيين سوى الدولة اللبنانية.
قليلون هم الذين اتّخذوا هذا الخيار، مع جرأة في إعلانهم عدم امتلاكهم أي مشروع مستقلّ عن الدولة، حتى يحلّ هذا المشروع محلّ مشروع ولاية الفقيه في لبنان. لذلك، ترفع القبعة تقديرًا واحترامًا لهؤلاء الذين قالوا الحقيقة مهما كانت صعبة. وأعادوا تثبيت الشيعة اللبنانيين في قلب العقد الاجتماعي الحداثيّ المرتقب. فبفضلهم وحدهم تثبت هويّة المكوّن الشيعي اللبنانيّة. إذ مع قرارات حزب الله الانتحاريٌة هذه، لم يعد مجديًا الحديث عن تطوير وتحديث الصيغة والدستور وحسب، بل صار لزامًا علينا كلبنانيين مجتمعين، إعادة تعريف العقد الاجتماعي اللبناني من جديد، ليُصار بعده الانتقال إلى صيغة اتٌحاديٌة – حياديٌة تؤمٌن الحرٌيٌة الكيانية للمكوٌنات الحضاريٌة اللبنانيّة كافٌة.
إقليميًّا، هذا المسار كله، يكشف بأن الأمريكي نجح بإدخال الإيراني في لعبته هو نفسه، أي المماطلة وشراء الوقت. وبات الأميركي يمتهن “الحياكة الديبلوماسيّة” أكثر من الإيراني نفسه، حتى صار الخيٌاط الأمهر.
ولعلّ ما يسعى إليه الرئيس الأميركي هو فسحة من الراحة للاقتصاد الأميركي عقب مباريات كأس العالم من جهة، وتحضيرًا للانتخابات النصفية من جهة ثانية.
وهذا ما سيعطي الإسرائيلي حرية أكبر للتحرك في لبنان. ولعلّ هذا ما سيدفعه أكثر فأكثر في الجغرافيا اللبنانية بعد ما باتت مدينة النبطية ساقطة بحكم الواقع بعد عبور كفرتبنيت ونحن بانتظار تنكيس الأعلام اللبنانية فيها. كذلك مدينة صور ساقطة بالنٌار. فيما سرّبت معلومات صحفيّة بأنّ دولة الرئيس نبيه برّي يعيش حالة من الصدمة النفسيّة، ممّا أدّى ذلك إلى نقله إلى إحدى المستشفيات بعد إصابته بعارض صحّيًّ.
هذا انتصار حزب الله الساحق الموعود. وبين الساحق والمسحوق والكامخ بينهما، أي البيئة اللبنانية بوجه عام، والبيئة الشيعية بوجه أدقٌ، يستمرٌ تآكل الدولة اللبنانية، حيث تقف الحكومة عاجزة أمام أي استحقاق، ولو بسيط، لأنها لا تعرف ماذا ينتظر الميدان في اليوم التالي.
كما كشفت بعض المصادر الإعلامية العربية عن اطّراد الحديث مجدٌدًا عن التطبيع السعودي – الإسرائيلي، ما سيجعل إيران بحكم الحمامة المطوّقة، والجرذ القابع في مجارير لبنان الموعودة بأن يقضم شباكها بات بلا أسنان. حتى القوارض أبناء جنسه لفظته. فلبنان بحكم المعزول في جزيرة تأكلها النيران الإسرائيلية قضمة قضمة. ولا نعلم على أيٌ جغرافيا قد نستفيق في اليوم التالي !
إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير