لحظة القرار بين #الميدان و #الدبلوماسية

الافتتاحية بقلم مدير التحرير د. ميشال الشمّاعي

@DRMICHElCHAMMAI

لبنان اليوم أمام لحظة حسم تاريخيّة. فالميدان هو الذي بات يعكس التحوّلات الاستراتيجيّة التي سترسم ملامح المرحلة القادمة، والتي بات من الواضح أنّها ستكون بلا أيادٍ إيرانيّة في الدّاخل اللبناني. وما بين الميدان الذي يسير بسرعة البرق في إسقاط القلاع والحصون اللبنانيّة، تبدو الساحة الديبلوماسيّة بطيئة المسار، ولكنّ مصيرها واضح المعالم.

ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه الجولة ستفضي إلى ترتيبات امنيّة، حيث كشفت مصادر إعلاميّة أميركيّة بأنّ البحث سيتركّز في مرحلة ما بعد الحرب. والأهم في ذلك، عودة لبنان إلى لعب الدّور الحضاري الذي لطالما اطّلع به. ويبدو أنّ السلطة أكثر من مقتنعة بنتيجة التجارب التي أثبتت دومًا أنّ الحروب تنتهي إلى طاولة المفاوضات. وهذا ما أكّد عليه دولة الرّئيس في كلمته.

لذلك، يبدو أنّ الأيّام القادمة ستكون ذا أهمّيّة استثنائيّة ميدانيًّا حيث بات الخطر يدقّ على أبواب العاصمة بعد سقوط علم من أهمّ أعلام جبل عامل الجغرافيّة بعد بنت جبيل أي النبطيّة وصور. وديبلوماسيًّا صحيح أنّ المسار طويل لكنّ المصير بدأ يتكشّف.

سقوط الشقيف وتحول في الميدان

ميدانيًّا، برز خلال الساعات الأخيرة تطور بالغ الأهمية تمثل في سيطرة الجيش الإسرائيلي على قلعة الشقيف الاستراتيجية، وهي نقطة ذات أهمية عسكرية وجغرافية استثنائية نظرًا إلى موقعها المشرف على مساحات واسعة من الجنوب اللبناني.

ولا تقتصر أهمية هذا التطور على البعد الرمزي فحسب، بل تتعداه إلى البعد العملياتي. فسيطرة إسرائيل على هذه القلعة تفتح أمامها محورين محتملين للتحرك: الأول غربًا باتجاه مدينة النبطية ومحيطها، والثاني شمالاً نحو البقاع. إلا أنّ المؤشرات الحالية توحي بأن الجبهة البقاعية لا تزال مؤجلة في المرحلة الراهنة، فيما يتركز الاهتمام العسكري على الجبهة الجنوبية الغربية.

ويبدو أن الهدف الأكثر إلحاحًا بالنسبة إلى القيادة العسكرية الإسرائيلية يتمثل في الوصول إلى مثلث الزهراني، باعتباره عقدة جغرافية أساسية تسمح بإعادة رسم خريطة السيطرة الميدانية لعزل جنوب لبنان.

معركة الزهراني وعزل الجنوب

في حال نجحت القوات الإسرائيلية في بلوغ منطقة الزهراني، فإن ذلك سيؤدي عمليًّا إلى عزل المنطقة الممتدة بين القاسمية والزهراني وتحويلها إلى نطاق عمليات مغلق يخضع بالكامل للسيطرة العسكرية الإسرائيلية.

هذا الواقع من شأنه أن يفرض معادلات جديدة على الأرض، ليس فقط عسكريًّا، بل أيضًا إنسانيًّا واقتصاديًّا.

فالمنطقة المعزولة ستصبح عرضة لضغوط متزايدة، فيما ستجد مدينة صور نفسها أمام تحديات غير مسبوقة بعد موجات النزوح الواسعة التي شهدتها، فضلاً عن الدمار الذي أصاب أجزاء كبيرة من بنيتها العمرانية والخدماتية. ومن شأن أي تقدم إضافي على هذا المحور أن يضع إسرائيل في موقع يسمح لها بامتلاك أوراق ضغط إضافية على طاولة التفاوض المقبلة.

ولعلّ هذا ما قد يتيح لها التقدّم باتّجاه الساحل على وقع ارتفاع التّهديدات لضاحية بيروت بتحويلها إلى رماد. وتجدر الإشارة إلى انّه من ليل السبت تشهد الضاحية الجنوبيّة عمليّة نزوح كثيف، بعد العودة الجزئيّة إليها حيث باتت مدينة أشباح بشهادة سكّان المناطق المجاورة على تخومها.

المفاوضات تحت النار

في موازاة التطورات العسكرية، تتجه الأنظار إلى المفاوضات المرتقبة في الثاني والثالث من الشهر الجاري، والتي تبدو حتى الآن مفاوضات تجري تحت وقع النار لا بعيدًا منها.

فإسرائيل تسعى بوضوح إلى تعزيز موقعها التفاوضي من خلال الإنجازات العسكرية الميدانية، انطلاقًا من قناعة راسخة لديها بأن ما لا يمكن انتزاعه عبر السياسة يمكن فرضه عبر الوقائع العسكرية على الأرض. وإذا كان حتّى الساعة هنالك أيّ اعتقاد سائد لدى قيادة حزب الله الإيرانيّة بإمكانيّة بسيطة لأن تقلب مسار المفاوضات انطلاقًا من الميدان اللبناني، “المياه تكذّب الغطّاس” على حدّ قول المثل العامي.

ومن هنا، فإن نتائج الجولات التفاوضية المقبلة ستكون مرتبطة إلى حد كبير بالمسار الميداني. وكل تقدم عسكري قد ينعكس مباشرة على سقوف المطالب والشروط التي ستُطرح خلال المفاوضات، الأمر الذي يجعل من الأيام القليلة المقبلة مرحلة مفصلية في تحديد الاتجاه الذي ستسلكه الأزمة، والذي على ما يبدو بأنّه بات واضح المعالم باتّجاه ما تريده الادارة الأميركيّة، وليس كما تشتهيه إيران وحلفائها في لبنان.

العامل “الأميركي – الإيراني”

لا يمكن فصل ما يجري في لبنان عن المشهد الإقليمي الأوسع، وتحديدًا عن مسار العلاقة الأميركية – الإيرانية. فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن هذا الملف دخل مرحلة من الجمود المؤقت، بانتظار ظروف إقليمية ودولية أكثر ملاءمة لإعادة تحريكه. وهذا التجميد يعود إلى الفسحة التي يرغب الرئيس الأميركي بتركها لاقتصاد بلاده، حتّى يتنفّس الصعداء على أعتاب مباريات كأس العالم.

هذا التجميد ينعكس بصورة مباشرة على الساحة اللبنانية، إذ يمنح إسرائيل هامشًا أوسع للتحرك في ظل غياب أي تفاهمات دولية أو إقليمية من شأنها فرض ضوابط على العمليات العسكرية الجارية. ولذلك فإن مستقبل المواجهة في الجنوب لا يتوقف فقط على ما يجري بين لبنان وإسرائيل، بل يرتبط أيضًا بمسار التوازنات الإقليمية الكبرى التي لا تزال تشهد حالة من السيولة وعدم الاستقرار.

العفو العام يعود إلى الواجهة

في الداخل اللبناني، يعود ملف العفو العام إلى واجهة النقاش السياسي بعد سلسلة المشاورات واللقاءات التي شهدتها دار الفتوى خلال الأيام الماضية، بهدف بلورة موقف موحّد حيال هذا الملف الشائك. وتسعى المرجعيات السنية إلى التوصل إلى مقاربة شاملة تنهي ما تعتبره حالة غبن طالت عددًا كبيرًا من الموقوفين والمحكومين، ولا سيما في الملفات المرتبطة بالإسلاميين. كما يتصدر ملف الشيخ أحمد الأسير واجهة النقاشات الجارية باعتباره من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا على المستوى السياسي والقضائي.

غير أن معالجة هذا الملف لن تكون بعيدة من الحسابات السياسية الداخلية، ولا سيّما في ظل التوازنات الدقيقة التي تحكم المشهد اللبناني، ما يجعل الوصول إلى صيغة توافقية أمرًا يحتاج إلى توافق وطني واسع يتجاوز الاعتبارات الفئوية والطائفية.

لبنان أمام خيارين

في الخلاصة، يبدو لبنان اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في انتظار ما ستنتجه المعارك الجارية وما قد تفرضه من وقائع جديدة، وإما الانتقال إلى مقاربة سياسية ودبلوماسية تضع حدًّا لمسار الاستنزاف المتواصل.

فكل يوم يمر من دون رؤية سياسية واضحة يزيد من حجم الخسائر الوطنية، ويعمق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. أمّا الرهان على الزمن وحده، فقد أثبت مرارًا أنّه ليس استراتيجية ناجحة في بلد يعيش على إيقاع الأزمات المفتوحة.

إنها لحظة القرار بامتياز؛ لحظة يتداخل فيها صوت المدافع مع همس الدبلوماسية، وتتّحدد فيها ملامح المرحلة المقبلة بين منطق القوة ومنطق التسوية.

وفي ظلّ هذا المشهد المعقّد، يبقى السؤال الأساسي: هل ينجح اللبنانيّون في استعادة زمام المبادرة قبل أن تُفرض عليهم نتائج لا يملكون القدرة على تغييرها؟

إن الآراء والمواقف الواردة في المقالات والتعليقات المنشورة على منصتنا تعبّر حصرًا عن أصحابها، ولا تعكس بالضرورة رأي "بوابة بيروت" أو إدارة التحرير أو رئيس التحرير
اخترنا لك